فاروق غانم خداج *
في رسالة كتبها ميخائيل نعيمه إلى كمال جنبلاط عام 1966، وأُعيد نشرها لاحقاً ضمن باب "رسائل الأدباء" في جريدة الراية القطرية (18 أبريل 2006)، يبرز موقف فكري يستحق التأمل: رجل عُرف بنزعته التأملية والصوفية يدافع عن حق الإنسان في الوصول إلى الحقيقة، رافضاً أن تتحول المعرفة إلى امتياز محتكر، سواء باسم النخبة الروحية أو الفكرية. وتكمن المفارقة في أن نعيمه، الذي كان من أكثر المدافعين عن عمق التجربة الروحية وسموّها، لم يرَ صيانة الحقيقة في حجبها، بل في الثقة بقدرة الإنسان على الاقتراب منها وتحمل مسؤولية استخدامها.
هذه الرسالة، إلى جانب رسالة سابقة لها بثلاث سنوات، لا تستحقان القراءة بوصفهما وثيقتين من الماضي فحسب، بل بوصفهما حواراً فكرياً حياً بين اثنين من أكثر العقول اللبنانية أصالة في القرن العشرين: ميخائيل نعيمه، صاحب المشروع الأدبي والروحي الذي جعل من التأمل طريقاً إلى المعنى، وكمال جنبلاط، المفكر والسياسي الذي حاول أن يحمل الأسئلة الروحية والفلسفية إلى قلب الحياة العامة. واللافت أن الرجلين، رغم اختلاف موقعيهما، التقيا عند منبع واحد: البحث عن الإنسان في أبعاده الأخلاقية والروحية. فإذا كان نعيمه قد اختار طريق العزلة والتأمل، فإن جنبلاط حاول أن يجعل من الفكر الروحي قوة حاضرة في المجال الاجتماعي والسياسي.
في الرسالة الأولى، يكشف نعيمه رؤيته للأدب بوصفه رسالة إنسانية لا مجرد تسجيل للواقع، رافضاً اختزال الكتابة في تصوير المظاهر اليومية، وداعياً إلى استلهام العمق الروحي في التراث الشرقي بدلاً من الاكتفاء بمحاكاة النماذج الغربية. وفي الوقت نفسه، يعبّر عن تقديره لجنبلاط وقدرته على الجمع بين مسؤوليات السياسة وأسئلة الفكر.
أما الرسالة الثانية، فجاءت تعليقاً على مقدمة كتبها جنبلاط لكتاب الباحث سامي مكارم حول التوحيد الدرزي، وهي المناسبة التي كشفت اختلافاً فكرياً عميقاً بين الرجلين حول حدود نشر المعرفة الروحية. فقد كان النقاش في تلك المرحلة يدور حول مسألة نشر بعض المعارف الدينية الخاصة، بعدما أثار كتاب عبدالله النجار حول مذهب الدروز والتوحيد جدلاً واسعاً بشأن حدود إظهار ما كان يعد تقليدياً من المعارف الروحية الخاصة. ومن موقعه كمسؤول سياسي وفكري عن جماعة اجتماعية، رأى جنبلاط أن بعض المعارف تحتاج إلى أهلية ونضج حتى لا تتحول إلى مادة لسوء الفهم أو التوظيف الخاطئ. هنا تدخل نعيمه ليقدم رؤية مختلفة: فالمشكلة، في رأيه، ليست في الحقيقة نفسها، بل في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان معها.
الشمس والذرة والزارع: حجج نعيمه في الدفاع عن انفتاح الحقيقة
لم يبنِ نعيمه موقفه على فكرة مجردة، بل استعان بسلسلة من الصور الرمزية التي تكشف فلسفته في المعرفة. فهو يستحضر أولاً التعليم المسيحي حول عدم إهدار الأشياء الثمينة على من لا يقدّرها، لكنه يذهب أبعد من ذلك، مؤكداً أن سوء استخدام الحقيقة لا يعني حرمان الجميع منها. ثم ينتقل إلى مثال طاقة الذرة: فالإنسان قد يستخدم العلم في الهدم، لكن إساءة الاستخدام لا تلغي القيمة الكامنة في المعرفة نفسها. وبالمثل، فإن احتمال الخطأ لا يبرر حجب الحقيقة.

بعد ذلك تأتي صورة الزارع الذي ينثر بذوره في مختلف الأراضي، فلا يعرف أين ستجد الحبة تربتها المناسبة: على الطريق، أم بين الصخور، أم في الأرض الخصبة. فمسؤولية الزارع هي البذر، أما كيفية استقبال البذور فتتعلق باستعداد الأرض وتبلغ الحجة ذروتها في صورة الشمس التي تشرق على الجميع دون تمييز؛ فمن اهتدى بنورها إلى الخير انتفع بها، ومن أساء استخدامها يتحمل مسؤولية خطئه، أما النور ذاته فلا يُحجب.
هذه الصور الأربع "التعليم المسيحي، وطاقة الذرة، والزارع، والشمس" ليست مجرد زخرف بلاغي، بل بناء فكري متكامل ينتقل من الروحي إلى العلمي إلى الإنساني، ويلخصه نعيمه في فكرة أساسية: أن الحقيقة، حين يصل إليها الإنسان، تحمل معه مسؤولية مشاركتها لا احتكارها. لكن قوة حجة نعيمه لا تلغي مشروعية السؤال الذي أثاره جنبلاط. فالمعرفة حين تدخل المجال العام لا تبقى دائماً مسألة فردية، وقد تتحول أحياناً إلى أداة في صراعات اجتماعية أو سياسية. ومن هنا فإن موقف جنبلاط لم يكن رفضاً للحقيقة بقدر ما كان خوفاً على مسؤولية تداولها.
فالخلاف بين الرجلين لم يكن صراعاً بين الانفتاح والانغلاق، بل بين رؤيتين مختلفتين: رؤية المتأمل الذي يرى الحقيقة نوراً ينبغي أن يصل إلى الجميع، ورؤية المسؤول الاجتماعي الذي يخشى أن يتحول هذا النور إلى أداة في أيدي من لا يدركون قيمته.
خلاف بلا خصومة
ما يجعل هذا الحوار لافتاً ليس مضمونه فقط، بل الطريقة التي جرى بها. فالاختلاف بين نعيمه وجنبلاط لم يتحول إلى خصومة، ولم ينزلق إلى التشكيك في النيات، بل بقي في إطار الحوار العقلي واحترام المقام الفكري.
فنعيمه، رغم مخالفته لمقدمة جنبلاط، حافظ على تقديره لصاحبها، وجنبلاط، رغم تمسكه بموقفه، بقي جزءاً من تقليد فكري يرى في الحوار قيمة بحد ذاته. وهذا ما يجعل العلاقة بين الرجلين نموذجاً نادراً في الثقافة العربية: اختلاف عميق من دون قطيعة، ونقد للفكرة من دون إسقاط صاحبها. وإذا وضعنا هذا الحوار في سياقه الإنساني الأوسع، نجده يلامس سؤالاً قديماً رافق الحضارات والمدارس الروحية والفلسفية: هل تُصان المعرفة بإخفائها، أم بحمل الإنسان على النضج الذي يجعله أهلاً لها؟
ربما لم يكن السؤال الحقيقي الذي طرحته رسالتا نعيمه وجنبلاط هو: هل تُنشر الحقيقة أم تُكتم؟ بل: أي إنسان نحتاج إليه كي يحمل الحقيقة من دون أن يحولها إلى سلطة أو امتياز؟ وهنا تكمن القيمة الأعمق لهذا الحوار؛ فالأهم من حسم الخلاف هو الحفاظ على أخلاق الاختلاف نفسها. ففي زمن تكثر فيه الخصومات، يبقى "الخلاف الجميل" بين نعيمه وجنبلاط تذكيراً بأن الأفكار الكبيرة لا تخشى الحوار، وأن احترام الإنسان قد يكون الطريق الأقرب إلى احترام الحقيقة.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني













07/30/2026 - 12:07 PM





Comments