الأرض ليست مجرد عقار… إنها قضية وجود

07/30/2026 - 11:42 AM

Your Ad Here

 

 

 

بيار مارون *

قد يكون قرار مجلس شورى الدولة بإبطال تنفيذ تعميم وزير المالية المتعلق بمشاعات جبل لبنان حدثًا قانونيًا في ظاهره، لكنه في الواقع يحمل أبعادًا أعمق بكثير من مجرد نزاع إداري حول تسجيل العقارات.

فالقرار أعاد فتح أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان: ملف الأرض، بما تمثله من هوية وذاكرة واستمرارية تاريخية، لا سيما في جبل لبنان، حيث لم تكن المشاعات يومًا مجرد أراضٍ غير مستثمرة، بل شكّلت عبر الأجيال جزءًا من حياة القرى وحقوق أهلها وإرثهم الجماعي.

من هنا، لم يكن مستغربًا أن يثير تعميم وزارة المالية موجة واسعة من الاعتراضات، رغم التوضيحات الرسمية التي أكدت أن الهدف منه حماية أملاك الدولة وتنظيم قيد العقارات غير الممسوحة، لا المساس بالمشاعات العائدة للقرى والبلديات. فالمشكلة لم تكن في النوايا المعلنة بقدر ما كانت في صياغة التعميم وما قد يترتب عليها من آثار قانونية تفتح الباب أمام اجتهادات متباينة في المستقبل.

جاء قرار مجلس شورى الدولة ليؤكد أن أي تعديل يمس الملكية التاريخية أو الحقوق الجماعية لا يمكن أن يمر بقرار إداري، بل يجب أن يخضع لأعلى درجات الرقابة القضائية، حفاظًا على الحقوق ومنعًا لأي التباس.

لكن أهمية هذا القرار لا تكمن في نتيجته القضائية فحسب، بل في أنه أعاد إلى الواجهة سؤالًا أقدم وأعمق: كيف تحمي الدولة الملكية العقارية في بلد لم ينجز بعد مسحًا عقاريًا شاملًا، ولا تزال فيه عشرات النزاعات التاريخية معلقة منذ عقود؟

فالجدل حول مشاعات جبل لبنان ليس وليد هذا التعميم، بل هو امتداد لمسار طويل من الإشكالات العقارية التي تتكرر كلما غابت الدولة عن استكمال أعمال المسح العقاري أو تأخر القضاء في حسم النزاعات. وفي ظل هذا الفراغ، تتحول الأرض من مسألة قانونية إلى قضية سياسية واجتماعية تمس الهوية والانتماء. ومن المهم هنا التمييز بين أنواع هذه الملفات، لأن الخلط بينها يضعف النقاش بدل أن يقويه.

أولًا: نزاعات عقارية تاريخية

مثل ملفات لاسا والعاقورة وتنورين، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية والتاريخية مع الروايات المحلية حول الملكية والحدود، ولا تزال بعض جوانبها موضع نزاع منذ سنوات.

ثانيًا: ملفات ذات طابع إداري وقانوني

كقضية مشاعات جبل لبنان، حيث انصب الخلاف على كيفية قيد الأراضي غير الممسوحة وحدود صلاحية الإدارة في تسجيلها. وفي هذا الملف، بادر النائب إلياس حنكش وعددٌ من زملائه النواب إلى الطعن في تعميم وزير المالية أمام مجلس شورى الدولة، في خطوة قانونية أعادت النزاع إلى مرجعيته الطبيعية: القضاء وسيادة القانون، ومهّدت لصدور قرار مجلس شورى الدولة بإبطال تنفيذ التعميم.

ثالثًا: حالات وضع يد أو فرض أمر واقع

برزت خلال السنوات الأخيرة حالات أثارت مخاوف من محاولات وضع يد أو تغيير واقع الملكية في بلدات مثل مرجعيون والقليعة وبرج الملوك. وتختلف هذه الملفات في طبيعتها القانونية وفي مستوى الإثبات من حالة إلى أخرى، إلا أنها ساهمت مجتمعة في تعميق شعور شريحة واسعة من اللبنانيين، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية المسيحية، بأن الأرض أصبحت جزءًا من معادلة الوجود والاستقرار الديموغرافي.

ولا يعني ذلك أن جميع هذه الملفات تشكل قضية واحدة، أو أنها تعود إلى الأسباب نفسها، كما لا يجوز الجزم بوجود نمط موحد في كل حالة. لكن تراكمها، إلى جانب بطء الدولة في الحسم القانوني والإداري، ولّد أزمة ثقة حقيقية، ورسّخ الاعتقاد بأن حماية الملكية أصبحت مسؤولية الأهالي أكثر مما هي مسؤولية المؤسسات.

الأرض قضية دولة

إن حماية الأرض ليست قضية مسيحية فحسب، ولا قضية طائفية أصلًا، بل هي قضية دولة. فعندما تصبح الملكية العقارية محل شك، يفقد المواطن ثقته بالدولة، ويبدأ بالبحث عن الحماية داخل طائفته أو حزبه أو جماعته، فتضعف المواطنة ويقوى الانقسام.

ولهذا، فإن أهمية قرار مجلس شورى الدولة لا تكمن فقط في تجميد تنفيذ تعميم إداري، بل في إعادة التأكيد على مبدأ أساسي: الحقوق التاريخية لا تُغيَّر بالإجراءات الإدارية، والملكية لا تُعاد صياغتها إلا بقوة القانون وتحت رقابة القضاء.

لقد أثبت هذا القرار أن المؤسسات القضائية لا تزال قادرة، عندما تُمنح الفرصة، على أداء دورها في حماية الحقوق. لكنه كشف أيضًا أن لبنان يحتاج إلى أكثر من قرار قضائي؛ يحتاج إلى سياسة وطنية شاملة تستكمل أعمال المسح العقاري، وتحسم النزاعات التاريخية، وتحمي أملاك الدولة كما تحمي أملاك المواطنين والقرى والبلديات والكنائس وسائر الأوقاف، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو طائفية.

فالأرض في لبنان ليست مجرد مساحة جغرافية تُقاس بالأمتار، ولا مجرد أصل عقاري يُقدَّر بقيمته المالية. إنها ذاكرة وطن، وهوية شعب، وجغرافيا انتماء، وأحد أعمدة الاستقرار الوطني. والدول لا تُقاس فقط بحدودها، بل بقدرتها على حماية أرضها وحقوق مواطنيها. وعندما تصبح الملكية محل نزاع دائم، لا تكون الأرض وحدها في خطر، بل فكرة الدولة نفسها، والثقة بمؤسساتها، ومستقبل الأجيال التي يفترض أن ترث هذا الوطن.

 

 *باحث ومحلل استراتيجي

رئيس منظمة دروع لبنان الموحّد (SOUL)

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment