الجمال الذي صنعه الخوف (الضحك، والغناء، والشعر)

07/30/2026 - 10:45 AM

Jonathan Amireh

 

 

د. فهيم الشايع 

كل ما يبدو جميلًا في الإنسان خرج، بطريقة ما، من شقّ داخلي، الشعر لم يولد من الاكتفاء، بل من النقص، والغناء لم يخرج من الطمأنينة، بل من الرغبة في تأجيل الرعب قليلًا، حتى الفن نفسه لم يكن ترفاً حضارياً كما تصوّره الكتب المدرسية، بل كان منذ البداية تقنية نجاة؛ طريقة بدائية كي لا يبتلع الخوف الإنسان بالكامل، ربما لهذا يبدو الجمال البشري حزيناً دائماً، حتى وهو يبتسم.

في البدايات الأولى قبل أن توجد المدن، وقبل أن تتشكل الفلسفات الكبرى، كان الإنسان يجلس أمام الليل ككائن مرتبك داخل كون لا يشرح نفسه، والإنسان بطبعه فضولي، لكن كان خوفه أكبر من فضوله بكثير، السماء واسعة أكثر مما ينبغي، الموت يحدث بلا تفسير، والعواصف تبدو كأنها غضب صادر عن شيء مجهول، لم يكن لدى الإنسان القديم لغة تفسّر العالم، فاخترع شيئًا أكثر قرباً من القلب: الصوت.

جلس قرب النار يغني، لا لأنه فنان، بل لأنه كان يحتاج أن يسمع شيئاً يغطّي ارتجافه الداخلي، والأم الأولى لم تكن تعرف الموسيقى حين همست لطفلها، لكنها كانت تحاول أن تقنعه - وتقنع نفسها أيضاً - بأن الظلام ليس مفترساً تماماً، وربما ما تزال أجسادنا تحفظ، في طبقاتها العميقة، ذاكرةً أقدم من الحضارة نفسها؛ لذا فإن تلك القشعريرة الخفيفة التي تعبر الجسد عند سماع موال حزين أو صوت يلامس منطقة غامضة من الروح، ليست مجرد انفعال جمالي عابر، بل ارتدادٌ خفي لذاكرة وجودية قديمة، حين كان الإنسان الأول يقف مرتجفاً أمام ليلٍ لا يفسّر نفسه، فالجهاز العصبي الذي كان يجعل شعر الجسد ينتصب خوفاً من وحشٍ، أو رهبةً من المجهول، هو ذاته الذي يرتجف اليوم أمام الجمال حين يبلغ درجة لا يعود القلب قادراً على احتمالها بهدوء، وكأن الإنسان لم يهزم خوفه البدائي تماماً، بل قام بتهذيبه وتحويله إلى شكل أكثر رقة: إلى شعر، وموسيقى، ومواويل طويلة تشبه الحنين إلى شيء فقدته البشرية ولا تعرف اسمه، حتى الرجفة التي كانت قديماً علامة تأهبٍ للبقاء، أصبحت الآن تحدث أمام أغنية صادقة، كأن الروح، في لحظات الجمال العميقة، تتذكر هشاشتها الأولى، ولعل هذا السبب ما يجعل القصة الحقيقية التي تكتب كشعر - قصيدة - أو تغنى هي التي تنجح.

كل تهويدة في التاريخ كانت في جوهرها، محاولة صغيرة لترويض الخوف، حتى الضحك نفسه لم يولد من التسلية، بل من النجاة، فالإنسان لا يضحك أثناء الخطر، بل بعد تجاوزه مباشرة، حين يكتشف جسده أنه ما يزال حياً، ولهذا يبدو الضحك قريباً جداً من البكاء؛ كلاهما يخرج من المنطقة ذاتها: هشاشة الكائن البشري أمام العالم.

كان باروخ سبينوزا - من القلائل الذين فهموا أن الإنسان لا يعيش بالعقل وحده، بل برغبته المستمرة في مقاومة التلاشي - يرى أن الإنسان تحركه قوة خفية للبقاء، ذلك الميل العميق الذي يدفع الكائن إلى الاستمرار رغم كل شيء، لكن الإنسان لم يقاتل خوفه بالسلاح وحده، بل بالجمال أيضاً، حوّل وحدته إلى قصيدة، وعجزه إلى نكتة، وخوفه من الفناء إلى أغنية طويلة تتناقلها الأجيال؛ لهذا لا يكتب الشاعر لأنه يفهم الحياة، بل لأنه عاجز عن احتمالها بصورتها الخام، القصيدة ليست استعراضاً لغوياً بقدر ما هي محاولة لترميم تصدّع داخلي لا يراه أحد، وأصدق الأغاني – كالأماكن مثالاً - ليست الأكثر صخباً، بل تلك التي تحمل شيئاً من الحنين، كأنها تتذكر خسارة قديمة لا تستطيع تسميتها، حتى أجمل الضحكات البشرية، غالباً ما تخفي في أطرافها تعباً لا يُقال، كأن الإنسان لا ينتج جمالاً حقيقياً إلا حين يكون مهددًا من الداخل.

غير أن العالم الحديث ارتكب خطأ أكثر نعومة من القمع المباشر؛ لقد حوّل المشاعر إلى أداء، لم تعد المنصات الرقمية تكتفي بعرض الحياة، بل أصبحت تعيد تشكيلها بالكامل، الضحك صار مهارة اجتماعية، والحزن مادة قابلة للنشر، والحب محتوى سريع التداول.

أصبح كثير من الناس يبتسمون للكاميرا أكثر مما يبتسمون للحياة نفسها، حتى غدت الابتسامة عبئاً إضافياً يُمارَس أكثر مما يُعاش، ويقتبسون كلمات عميقة عن المشاعر بينما يهربون بصمت من مواجهة مشاعرهم الفعلية، لقد صُنعت نسخة لامعة من الإنسان الحديث؛ نسخة تعرف جيدًا كيف تبدو سعيدة، فقدت علاقتها القديمة بسببها الأول، وهنا تحديداً تظهر هشاشة هذا العصر: فهو لا يمنع الألم، بل يضع عليه فلاتر أنيقة.

المحتوى الحديث يبدو ممتلئاً بالمشاعر، لكنه في كثير من الأحيان لا يحمل إلا شكلها الخارجي، كابتسامة محفوظة بعناية فوق فراغ داخلي طويل.

وربما تكشف الأصوات هذه الحقيقة أكثر من الكلمات، حين نغضب نرفع أصواتنا، كأن الروح تحاول عبور المسافة بالصراخ وحين نحب نهمس؛ لأن القرب الحقيقي لا يحتاج ضجيجاً، العشاق لا يتحدثون بصوت منخفض صدفة، بل لأن القلوب حين تقترب، يصبح الهمس كافياً؛ ولهذا فإن أعمق أنواع الغناء ليست تلك التي تُلقى فوق المسارح العملاقة، بل تلك التي تشبه الاعترافات السرية: المواويل القديمة، الترانيم البعيدة، صوت شخص يغني وحده في آخر الليل لأنه لا يعرف طريقة أخرى لإنقاذ قلبه، فالإنسان، كلما اقترب من حقيقته، خفّض صوته.

ربما تخطئ هذه الفكرة حين تبدو يقينية أكثر مما ينبغي، ربما يكون من التبسيط القاسي أن نختزل كل جمال إنساني في الخوف وحده، فالإنسان لا يغني دائماً لأنه مهدد، ولا يضحك دوماً لأنه نجا، أحياناً يولد الجمال من فائض الحياة نفسها؛ من لحظة يشعر فيها الكائن أن العالم، ولو مؤقتاً، صار أخف من المعتاد، الطفل الذي يركض بلا سبب واضح، والعاشق الذي يبتسم، والموسيقي الذي ينسى جراحه للحظة داخل النغمة… كلهم يذكّروننا أن الإنسان لا يحوّل خوفه إلى فن فقط، بل يحوّل فرحه العابر أيضاً إلى شيء يريد له أن يبقى.

لكن حتى هذا الفرح نفسه ليس بريئاً تماماً كما يبدو، فالإنسان، منذ وعى هشاشته، أصبح يعيش كل لحظة جميلة بوصفها شيئًا قابلاً للفقد، وربما لهذا يبدو الفرح البشري قصير النفس دائماً، كأنه يعرف مسبقاً أنه لن يدوم طويلًا، نحن لا نتمسك بالأغاني لأننا سعداء فقط، بل لأن السعادة نفسها عابرة بصورة تؤلم القلب، وهكذا، حتى في أكثر لحظات الإنسان إشراقاً، يبقى هناك ظل خفيف للخوف؛ خوف قديم من انطفاء اللحظة، ومن عودة العالم إلى ثقله الأول.

ولو استعرنا فكرة الفيلسوف ميشال فوكو عن السلطة، كنا سنقول على لسانه، أن السلطة تفهم هذه التفاصيل أكثر مما نظن، فالأنظمة لا تخشى الفن لأنه جميل، بل لأنه يكشف ما تحاول الحياة المنظمة إخفاءه: هشاشة الإنسان العميقة، الإنسان الذي يغني بصدق يصعب تدجينه بالكامل، والذي يضحك من قلبه يتحرر - ولو للحظة قصيرة - من الخوف الذي تُبنى عليه كثير من أشكال السيطرة، أما الشاعر، فخطورته لا تأتي من السياسة، بل من قدرته على إيقاظ شيء أقدم من القوانين داخل البشر: الشعور الخام، ولهذا غالباً ما تحب السلطة الفن حين يصبح استعراضاً، وتخافه حين يصبح صادقاً.

وربما ليست الحضارة كلها سوى محاولة أنيقة لإدارة خوف قديم، نضحك لأن العالم أثقل من أن يُحمل بصمته الكامل، نغني لأن الوحدة واسعة أكثر مما ينبغي، ونكتب الشعر لأن القلب البشري، مهما بدا قوياً، لا يستطيع أن يواجه الوجود وحده؛ لذلك لا تخدعك المظاهر كثيراً.

فأكثر الأشياء رقة في الإنسان، لم تولد من قوته…...بل من خوفه العميق من الانكسار.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment