إيلي إ. حرب
على الرغم من الحملات الجوية والبحرية الأميركية ضد إيران، لا يزال مضيق هرمز يشكل ورقة قوة لطهران تمكنها من تعطيل الملاحة وفرض كلفة باهظة على حركة التجارة العالمية، ما دفع بعدد من مراكز الدراسات والأبحاث العسكرية الأميركية إلى إعادة طرح سؤال جوهري: هل يمكن أن تتحول المواجهة من ضربات بعيدة المدى إلى عمليات برية محدودة على الأراضي الإيرانية؟.
الدراسات المنشورة والمعروفة غير حاسمة، لكنها تكشف عن مفارقة لافتة. فهي ترى أن الضربات الجوية وحدها قد لا تكفي لإجبار إيران على التخلي عن سيطرتها الفعلية على المضيق، وفي الوقت نفسه تحذر من أن أي هجوم بري قد يفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة، تعيد إلى الأذهان التجارب الأميركية السابقة في فيتنام وأفغانستان والعراق.
من جهتها تتعاطى إيران مع الأزمة بنفس طويل ومن مبدأ منع الخصم من تحقيق نصر حاسم حتى في خضم خسارتها الحالية لأجزاء كبيرة من قواتها التقليدية. وهي تعتمد على التهديدات التي تطلقها لتعرقل سير العمل في المضيق وإبقاء السفن التجارية وشركات التأمين مقتنعة بأن المرور عبر هرمز ينطوي على مخاطر عالية.
في مواجهة هذه المعضلة، ترى مراكز الأبحاث الاستراتيجية والعسكرية، ومن بينها (CSIS) "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" أن القوة البحرية الأميركية قادرة على إزالة الألغام وتأمين مرافقة السفن وضرب بعض القدرات الإيرانية، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء التهديد طالما بقيت منصات الصواريخ والطائرات المسيّرة والقوات الإيرانية منتشرة على الجبال والسواحل والجزر المحيطة بالمضيق.
سيناريو السيطرة على الجزر
في السياق صدرت في الأسابيع الماضية سيناريوهات تتحدث عن عمليات برية محدودة تستهدف السيطرة على جزر مثل قشم ولارك وأبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، باعتبارها تشكل قواعد متقدمة للقوات الإيرانية المشرفة على المضيق. إلا أن عدداً من الباحثين العسكريين الأميركيين يعتبر أن نجاح هذه العمليات تكتيكياً لا يعني تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في إعادة فتح الملاحة بصورة دائمة. فاحتلال الجزر قد يحرم إيران من بعض المواقع الهامة، لكنه لن يلغي قدرتها على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من البر الرئيسي، ولن يمنعها من مواصلة استهداف السفن من مسافات أبعد.
صعوبة الجغرافيا
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في الجزر نفسها، بل في الطبيعة الجغرافية للساحل الإيراني المطل على الخليج والذي تحيط به مرتفعات وسلاسل جبلية ومرتفعات، أبرزها الامتدادات الجنوبية لجبال زاغروس. إذ توفر هذه التضاريس مواقع طبيعية لإخفاء منصات الصواريخ، مستودعات الذخيرة، مراكز القيادة، فضلاً عن منح القوات الإيرانية قدرة كبيرة على المناورة وإعادة الانتشار بعيداً عن أعين الأقمار الصناعية والطيران، حسبما تقول الدراسات. وتاليا يبرز السؤال الكبير: إذا تمكنت القوات الأميركية من السيطرة على الجزر والسواحل، فهل تستطيع البقاء فيها بينما تبقى المرتفعات المطلة عليها بيد القوات الإيرانية؟.
الحرب المفتوحة
الجواب هو النفي بحسب خبراء. فالقوات الإيرانية ستكون قادرة على تحويل تلك الجبال إلى قواعد لإدارة حرب استنزاف طويلة الأمد ضد أي وجود أميركي على الساحل، ويعرضها لهجمات متواصلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والكوماندوس. ويذهب السيناريو البري المحتمل أبعد في البحث عن تدرج الخطوات. لأن السيطرة على الجزر قد تستدعي السيطرة على أجزاء من الساحل ، والسيطرة على الساحل قد تستدعي السيطرة على قمم الجبال المطلة عليه. وتتطلب حماية القمم ضرورة التقدم داخل العمق الإيراني لمنع الالتفاف عليها. وبذلك تنتقل العملية تدريجياً من إنزال محدود إلى حملة برية واسعة، وهو السيناريو الذي تحذر منه غالبية مراكز الدراسات العسكرية، لأنه يضاعف الاحتياجات اللوجستية وعدد القوات المطلوبة ويطيل أمد الحرب بصورة يصعب التحكم بها.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن واشنطن قررت شن هجوم بري واسع على إيران. فالدراسات العسكرية المنشورة تتحدث عن سيناريوهات بحثية أو عمليات محدودة واحتمالات مطروحة. لكن مجرد انتقال النقاش والأبحاث إلى مراكز الدراسات والأبحاث ومراكز التفكير الأميركية في كيفية تنفيذ الضربات الجوية وكيفية السيطرة على الجزر والسواحل الإيرانية يعكس إدراكاً متزايداً بأن القوة الجوية وحدها قد لا تكون كافية لحسم معركة هرمز.
ويبقى السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة السيطرة على المضيق من دون أن تجد نفسها، تدريجياً، مضطرة إلى خوض حرب برية داخل واحدة من أكثر البيئات تعقيداً في العالم؟ حتى الآن، تميل غالبية مراكز الدراسات إلى أن كلفة الاجتياح البري قد تكون أكبر بكثير من المكاسب التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها.













07/15/2026 - 08:12 AM





Comments