افتتاح "مركز فيليب سالم للدراسات السياسية اللبنانية" في جامعة القديس يوسف: منارة جديدة للفكر والهوية والتراث

07/15/2026 - 09:16 AM

Prestige Jewelry

 

بيروت - بيروت تايمز - حورج ديب

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة حول مستقبل لبنان، وتضيق فيه مساحات الحوار الحرّ، يبرز حدثٌ أكاديمي وثقافي بحجم افتتاح "مركز فيليب سالم للدراسات السياسية اللبنانية" في جامعة القديس يوسف، كإشارة واضحة إلى أنّ بيروت لم تفقد قدرتها على إنتاج الفكر، ولا على حماية ذاكرتها، ولا على صياغة مستقبلها رغم العواصف.

هذا الافتتاح لم يكن مجرّد مناسبة جامعية، بل بدا كأنه إعلان ولادة منارة جديدة للفكر السياسي اللبناني، تجمع بين البحث الأكاديمي، والهوية الوطنية، والرسالة الإنسانية، وتعيد إلى العاصمة دورها التاريخي كمدينة تصنع الثقافة وتدافع عن الذاكرة.

حضور وطني وثقافي يؤكّد أهمية اللحظة

شهدت قاعة جامعة القديس يوسف حضورًا لافتًا لشخصيات سياسية وثقافية واجتماعية، في مشهد يعكس حجم الرهان على هذا المركز الجديد. إلى جانب افتتاح المركز، تمّ تدشين "حديقة حقوق الإنسان" التابعة له، وإزاحة الستار عن تمثال للدكتور فيليب سالم، في خطوة رمزية تؤكّد ارتباط العلم بالإنسان، والبحث بالذاكرة، والسياسة بالأخلاق.

فرنسوا بوداك: مركز يواجه التوتر والمحاصصات

رئيس الجامعة، البروفسور فرنسوا بوداك اليسوعي، قدّم رؤية واضحة لدور المركز، معتبرًا أنّه مساحة يلجأ إليها المثقفون وصنّاع القرار والمحاورون، بحثًا عن مسار سياسي وأخلاقي قادر على إنقاذ لبنان من التوتر والخلافات والمحاصصات. ودعا إلى تكوين رأي عام ينطلق من مصلحة اللبنانيين قبل أي اعتبار آخر، في رسالة مباشرة إلى النخب السياسية التي أنهكت البلاد.

عادل نصار: إنقاذ لبنان من الاستهداف الدولي

وزير العدل اللبناني عادل نصار، خريج كلية الحقوق في اليسوعية، شدّد على أهمية المركز في لحظة دقيقة يمرّ بها لبنان. وتحدّث عن الدور الثقافي والسياسي للمركز، داعيًا إلى إنقاذ لبنان ممّا يُحاك ضدّه في المحافل الإقليمية والدولية، ومعتبرًا أنّه سيُسهم في دفع البلاد نحو مزيد من التفكير في خفايا السياسة اللبنانية والدولية.

سامي نادر: مركز للنقاشات الكبرى وصناعة القرار

مدير المركز ورئيس قسم العلوم السياسية، الدكتور سامي نادر، قدّم قراءة موسّعة لطبيعة الدور الذي سيؤديه "مركز سالم". وتحدّث عن الندوات والمؤتمرات التي ستُعقد داخله، وعن تأثير هذه النقاشات على صناعة القرار السياسي في لبنان. ونوّه بالجهود التي بذلها الدكتور فيليب سالم لإغناء المركز بالدراسات والمعلومات، وبجهوده في إنشاء الحديقة المتصلة بالمركز، التي تضمّ تمثالًا له وأشجار زيتون معمّرة، مؤكّدًا أنّها ستتحوّل إلى منارة ثقافية وإنسانية في بيروت.

فيليب سالم: نحو لبنان العظيم والدولة المدنية

في كلمته، قدّم الدكتور فيليب سالم رؤية شاملة للبنان الذي يحلم به. ودعا إلى بناء "لبنان العظيم، لا لبنان الطوائف والعشائر"، وصولًا إلى دولة مدنية بعيدة عن الطائفية. وأعرب عن امتنانه لجامعة القديس يوسف على ما أحاطته به من محبة وتقدير، مؤكداً أن ما قام به اليوم ليس سوى جزء صغير من محبته للبنان وإيمانه بأن الاستثمار الحقيقي يكون في الإنسان، وفي الشباب، وفي المؤسسات الأكاديمية التي تصنع المستقبل.

كما وجّه سالم تحية خاصة إلى الرئيس السابق لجامعة القديس يوسف، الأب البروفسور سليم دكاش، قائلاً: “الحكاية بدأت معه.” وشكره على دعمه وثقته منذ انطلاق فكرة المشروع، مؤكداً أن هذا الإنجاز هو ثمرة مسيرة طويلة من التعاون والإيمان المشترك برسالة الجامعة ودورها الوطني.

الدكتور سالم دعا إلى اعتماد "حياد لبنان الفاعل" كمدخل لحلّ القضايا الأساسية، معتبرًا أنّ لبنان هو كيان حضاري عالمي أقام حضارة مميّزة في الشرق، وهي حضارة لا تموت.

سليم دكاش: المركز بيت جديد للثقافة وحارس للذاكرة

البروفسور سليم دكاش، الرئيس السابق للجامعة وصاحب فكرة تأسيس المركز، قدّم واحدة من أكثر الكلمات عمقًا وتأثيرًا.

تحدّث عن التراث بوصفه ذاكرة الأمم، وعن دور المركز في حماية هذه الذاكرة. وأكّد أنّ الأمم لا تُقاس بثرواتها المادية، بل بما تحفظه من تراثها وقيمها وإبداعها.

استعاد دكاش أسماء كبار النهضة اللبنانية والعربية:

جبران خليل جبران، أمين الريحاني، ميخائيل نعيمة، شارل مالك، ميشال شيحا، فيليب حتّي، الأب لويس شيخو، سعيد عقل، الأخوان رحباني، فيروز، وديع الصافي، صباح، جورج شحادة، أنسي الحاج، صلاح ستيتية، ناديا تويني، أمين معلوف، وغيرهم ممن جعلوا من لبنان مدرسة للفكر والإبداع.

ورأى أنّ الانتشار اللبناني في العالم ليس هجرة بل امتداد للوطن، وأن اللبنانيين في الأميركيتين وأوروبا وأفريقيا والخليج وأستراليا يحملون وطنهم معهم كرسالة وثقافة وأخلاق.

فيليب سالم ووداد سالم: حين يلتقي العلم بالوفاء للوطن

توقّف دكاش عند مسيرة الدكتور فيليب سالم، معتبرًا أنّ تكريمه ليس تكريمًا لعالم كبير فحسب، بل لإنسان جعل من الطب رسالة رحمة، ومن البحث العلمي رسالة حياة، ومن الشهرة العالمية جسرًا للعودة الدائمة إلى لبنان. وأشاد بدور السيدة وداد سالم التي جعلت من منزل بطرام بيتًا للثقافة وصورة للبنان الجميل.

رسالة إلى شباب لبنان: التفوّق لا يكتمل إلا بخدمة الوطن

أكّد دكاش أنّ فيليب سالم قدّم نموذجًا للمثقف اللبناني المنفتح على العالم والراسخ في وطنه، وأن الأمم تُخلّد علماءها، لكنها تُخلّد أكثر أولئك الذين جعلوا من علمهم رسالة لخدمة المجتمع.

وشدّد على أنّ لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى مؤسسات تُعيد إليه ثقته بنفسه، وأن مراكز فيليب سالم في اليسوعية والجامعة اللبنانية الأميركية هي إعلان إيمان بقدرة الوطن على النهوض من ذاكرته وتراثه.

واختُتم الاحتفال بجولة في مركز فليب سالم للدراسات السياسية اللبنانية وحديقة حقوق الإنسان وساحة فليب سالم، اللذين افتُتحا في حرم العلوم الاجتماعية – هوفلان، في خطوة تعكس الشراكة بين جامعة القديس يوسف والدكتور فليب سالم في دعم البحث العلمي، وترسيخ قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتخليد اسم أحد أبرز الشخصيات اللبنانية التي جمعت بين الريادة الطبية والالتزام الإنساني والوطني.

مركز سالم: ذاكرة تُصان... ووعد يُكتب

افتتاح "مركز فيليب سالم للدراسات السياسية اللبنانية" ليس حدثًا عابرًا في سجلّ الجامعة اليسوعية، ولا مناسبة بروتوكولية تُضاف إلى رزنامة النشاطات الأكاديمية، بل هو خطوة تأسيسية في مسار طويل يعيد إلى لبنان دوره الطبيعي: بلد يصنع الفكر، يحمي ذاكرته، ويقدّم للعالم نموذجًا في الثقافة والإنسانية. إنه فعل استعادة لدور بيروت التاريخي، المدينة التي لا تستسلم، والتي تعرف دائمًا كيف تنهض من بين الركام لتعلن أنّ المعرفة هي الطريق الوحيد نحو مستقبل قابل للحياة.

هذا المركز، بما يحمله من رؤية ورسالة، يضع حجرًا جديدًا في بناء لبنان الذي يريده أبناؤه: لبنان الحرّ، المدني، المتنوّر، القادر على مواجهة أزماته بالعلم والمعرفة والذاكرة. إنه مساحة تُعيد الاعتبار للنقاش السياسي الرصين، وتفتح الباب أمام جيل جديد من الباحثين والمفكرين ليقرأوا لبنان خارج القوالب الطائفية، ويعيدوا صياغة دوره في المنطقة والعالم.

إنها منارة جديدة تُضاف إلى منارات بيروت، ورسالة تقول إن الثقافة ليست ترفًا، بل فعل مقاومة، وإن التراث ليس حنينًا إلى الماضي، بل وعدٌ بمستقبل أكثر إنسانية وحرية وجمالًا.

وباسم بيروت تايمز، نضع هذه الخاتمة شهادة على حدثٍ يؤكّد أنّ لبنان، مهما اشتدّت عليه الأزمات، لا يزال قادرًا على إنتاج مؤسسات تُصان فيها الذاكرة… ويُكتب فيها الوعد.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment