فاروق غانم خداج *
في مسيرة أدبية تمتدّ لأكثر من ثلاثة عقود، تقف الكاتبة الإماراتية سارة الجروان الكعبي كواحدة من الأصوات النسائية المبكرة والمؤثرة في مسار الرواية الإماراتية، جامعة بين تجربة نادرة في الحياة العسكرية وحساسية أدبية رفيعة قادتها إلى أرقى الجوائز الثقافية العربية. فمن بين قلة من النساء اللواتي التحقن بـ"مدرسة خولة بنت الأزور العسكرية" في بداياتها، خرجت الجروان الكعبي بمسار فريد جمع بين خشونة الميدان ورهافة الكلمة، لتصوغ لاحقاً واحدة من أكثر أعمالها إثارة للجدل والإعجاب: "عذراء وولي وساحر"، التي توّجت بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية عام 2012 في فرع القصة والرواية والمسرحية.

بداية من رحم التجربة الوطنية
لم تكن الكتابة عند سارة الجروان الكعبي ترفاً منفصلاً عن حياتها، بل امتداداً طبيعياً لمسار عاشته بكل تفاصيله. فقد تلقت أساسيات العلوم العسكرية في مدرسة خولة بنت الأزور، وخاضت دورات تدريبية حققت فيها مراكز متقدّمة ونالت عنها أوسمة شرفية. ومن رحم ذلك المسار، خلال فترة الغزو العراقي على الكويت، وُلد كتابها "يوميات مجندة إبان حرب الخليج"، الذي وثّقت فيه مشاهداتها كمجندة إماراتية عاشت لحظة إقليمية فارقة، كما كتبت وأخرجت مسرحية تناولت دور المرأة الإماراتية داخل القوات المسلحة. تنقلت الكاتبة بعدها بين مواقع عدة، من التحرير الصحفي العسكري إلى العمل الدبلوماسي كملحق إداري في بعثة الإمارات لدى مصر بين عامي 1992 و1995 — محطات متعدّدة الأوجه أثْرت لاحقاً عالمها السردي بأبعاد إنسانية ووطنية واضحة.
مسار سردي تراكم جيلاً بعد جيل
باكورتها "شجن بنت القدر الحزين" (1992) تُعد من الأعمال المبكرة في السرد النسائي الإماراتي. وتوالت إصداراتها بعدها: "رسائل إلى السلطان" (2003)، ثم ثنائية "طروس إلى مولاي السلطان" بجزأيها "الحدال" (2008) و"البرقع" (2013)، إضافة إلى "بنت نارنج الترنج" (2010). ولم تقتصر إسهاماتها على الرواية، إذ أصدرت مجموعة قصصية بعنوان "أيقونة الحلم" (2003) نالت عنها جائزة أفضل كتاب إماراتي في العام نفسه، كما اتجهت مؤخراً إلى كتابة السيناريو، وأصدرت عملين حديثين هما "سيرة النبي الأمين" و"بيعة أمير المؤمنين" (2023).

"عذراء وولي وساحر".. نص وُلد دفعة واحدة
تحتل "عذراء وولي وساحر"، الصادرة عام 2011 عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت، مكانة خاصة في مسيرة الكاتبة، إذ توّجتها جائزة العويس عام 2012. وفي حوار مع جريدة "البيان" عقب صدور الكتاب، كشفت الجروان الكعبي عن ظروف استثنائية رافقت كتابته؛ إذ أوضحت أن فكرته لم تأتِ نتيجة تخطيط مسبق كما جرت العادة في أعمالها السابقة، بل تدفقت عليها دفعة واحدة أشبه بقصيدة شعرية، حتى إنها وصفت نفسها بأنها عاشت حالة أقرب إلى الهذيان أثناء الكتابة، واستغرقتها ثلاثة أشهر متواصلة.
اللافت في هذا المنجز أن الكاتبة استحضرت روح الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي، واستشهدت بأقواله في افتتاحية النص، بل بَنَته بأكمله متأثرة بفكره وعباراته. واختارت أن تُبقي الزمان والمكان مجهولين، وأن تمنح شخصياتها أسماء ذات إيحاء غرائبي، مثل "مولاي شكرة" و"مولاي خادم عز الدين جلال" و"الساحر شلعم"، في محاولة لتحرير السرد من قيود الواقعية التاريخية والانفتاح على بُعد رمزي وروحاني أرحب.
بين حب الله وحب الإنسان
تدور الحكاية حول ابتلاء "الولي" بالعشق الإلهي من جهة، وبعشقه الأرضي لبطلة العمل "تناهيد" من جهة أخرى، وهو عشق يراه خطيئة تُبقيه في حالة تأرجح داخلي وعذاب مستمر. وفي جوهرها، تطرح الرواية إشكالية الصراع بين الزهد والرغبة، بين انضباط الروح وجموح الجسد، وهو الصراع الذي يمنح شخصية "الولي" بعدها الدرامي الحقيقي ويجعل من النص أكثر من مجرد حكاية حب. وقد أقرّت الكاتبة بأن هذا المنجز يمثل تحدياً شخصياً لها، كونها كانت ترفض على الدوام الخوض في تفاصيل العلاقات الحميمية بالطريقة المتعارف عليها في أعمالها السابقة، لكنها هنا اختارت الخروج عن هذا النهج، انطلاقاً من قناعتها بأن الحميمية والحب جزء أصيل من الحياة.
وتتمحور شخصية "مولاي شكرة" حول تجسيد الطهر والصفاء الروحي في مواجهة عالم الرغبة والصراع الإنساني، بحيث يصبح السرد، بحسب تعبير الكاتبة نفسها، قائماً على معادلة صعبة تجمع بين الطهر والدنس، وبين حب الحياة وحب الله، لينتهي إلى فكرة أن الحب الدنيوي قد يفضي في نهاية المطاف إلى حب أسمى هو حب الذات الإلهية.
ووفق قراءة نقدية نشرها الأديب المغربي الكبير الداديسي في موقع "ديوان العرب"، ترتقي العلاقة الجسدية بين البطلين إلى مستوى من الصفاء الروحي يقترب من مفهوم "الحلول" الصوفي المعروف عند الحلاج، حيث يذوب العاشقان في بعضهما بعضاً في تجربة وجودية تتجاوز حدود الجسد نحو التماهي مع المطلق — وهي قراءة نقدية للنص، لا تصريحاً مباشراً من الكاتبة نفسها. كما تتضمن الحكاية عنصراً من الكرامات الخارقة، حين يتمكن البطل "عمر" من إعادة الحياة إلى محبوبته "تناهيد" بعد أن لدغتها أفعى، في مشهد رأى بعض النقاد أنه يستحضر تناصاً مع معجزات الشفاء المرتبطة بالمسيح عليه السلام.
لمحة عن الأسلوب واللغة
تتميز لغة سارة الجروان الكعبي في هذا العمل تحديداً بميلها إلى الكثافة الشعرية أكثر من السرد المباشر، وهو ما يلائم طبيعة الموضوع الصوفي الذي اختارته. فالجمل تنحو أحياناً نحو الإيقاع الشعري والتكثيف الرمزي بدل الوصف التقليدي، واختيارها لأسماء غريبة ومكان وزمان غير محددين يخدم غاية جمالية واضحة: تحرير النص من سياقه الواقعي المباشر ليتحول إلى حكاية أقرب إلى الأسطورة أو الحكاية الصوفية الخالدة. هذا الخيار الأسلوبي، وإن كان يمنح العمل عمقاً روحانياً، إلا أنه يضعه أيضاً في مصاف الأعمال التي تطلب من القارئ انخراطاً تأويلياً أكبر من الروايات ذات البناء الواقعي المباشر.
وبذلك لا تُقرأ "عذراء وولي وساحر" بوصفها رواية صوفية فحسب، بل باعتبارها محاولة لاستكشاف الحدود الملتبسة بين المقدس والإنساني، وبين التجربة الروحية والتجربة العاطفية.
إرث أدبي وتكريمات متراكمة
لم تقتصر تكريمات سارة الجروان الكعبي على جائزة العويس، بل امتدت لتشمل درعاً من وزارة الاقتصاد الإماراتية تقديراً لنشاطها في حقل الملكية الفكرية، وشهادة تقديرية من جامعة الإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى درع تكريم من اللجنة الاجتماعية الفلسطينية "البيارة" لدورها في لجان التحكيم الأدبية؛ ومن بينها جائزة القدس للقصة القصيرة، وجائزة الشيخ راشد بن حميد للثقافة والعلوم.
تبقى سارة الجروان الكعبي حالة خاصة في المشهد الثقافي الإماراتي، لا لأنها جمعت بين الزي العسكري والقلم فحسب، بل لأن عملها الأكثر تكريماً وُلد — بحسب وصفها هي نفسها — من دون تخطيط مسبق، دفعة واحدة، في تجربة كتابة استثنائية استغرقت ثلاثة أشهر متواصلة قالت إنها بالكاد نامت خلالها. وهذا التناقض بين الانضباط الصارم الذي طبع بداياتها العسكرية، والانفلات الإبداعي الذي وصفت به لحظة ميلاد "عذراء وولي وساحر"، هو ما يمنح مسيرتها طابعها الخاص وغير المكرّر في المشهد الثقافي الإماراتي.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني












07/15/2026 - 07:54 AM





Comments