السيادة اللبنانية بين صلابة الموقف الرسمي ومقصلة

07/01/2026 - 09:04 AM

Prestige Jewelry

 

 

بيروت لا تنحني.. وإن حاصرتها النيران

بقلم جورج ديب

لم تعد العاصمة اللبنانية بيروت مجرد إحداثية جغرافية على خارطة الشرق الأوسط المشتعل، بل تحولت إلى ساحة معركة مفتوحة على شتى الاحتمالات، حيث تلتقي لغة الدموع بصلابة الموقف السياسي الساعي لانتشال ما تبقى من أشلاء وطن. هنا، بين أزقة بيروت التي تفوح منها رائحة البارود، وصور الضحايا التي تفترش الجدران المتصدعة، يولد مشهد سياسي جديد يتسم بجرأة غير معهودة.

تخوض الدولة اللبنانية اليوم معركتها الأكثر شراسة، لا بالسلاح التقليدي، بل بـ "فيتو" سياسي يرفض المقايضة على ما تبقى من كرامة وطنية. الموقف الرسمي اللبناني اليوم يعلنها بوضوح ليس فيه لبس: لا أولوية تفوق استعادة الأرض، وإنهاء كافة أشكال الهيمنة الخارجية. هذا الخط الأحمر الجديد ليس مجرد حبر على ورق، بل هو جدار الصد الأخير أمام محاولات تحويل لبنان إلى صندوق بريد دائم للقوى الإقليمية.

المحور الأول: صلابة الموقف الرسمي.. عندما تتكلم السيادة بلغة الأرض

لفترات طويلة، عاب الكثيرون على الدبلوماسية اللبنانية "الرمادية" والمواربة، لكن اللحظة الراهنة فرضت إيقاعاً حاداً وقوياً تفرضه دماء الأبرياء وحجم الدمار. يتبدى هذا التحول في الخطاب الرسمي الذي بات يتحدث بلغة الحقوق المباشرة وغير القابلة للتفاوض:

- بسط السيادة الشاملة: لا يمكن القبول بأنصاف الحلول؛ السيادة كلٌّ لا يتجزأ، وتبدأ من الحدود وتمر عبر المؤسسات الدستورية الشرعية وحدهـا.

- الأولوية المطلقة للأرض: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للنقاط الحدودية المتنازع عليها، ووقف الانتهاكات الجوية والبحرية، هو الممر الإجباري لأي استقرار.

- رفض الوصاية: إن زمن الاتفاقيات الفوقية التي تُطبخ خارج الحدود على حساب المصلحة اللبنانية قد ولى، والشعار المرفوع اليوم هو "لبنان أولاً وأخيراً".

هذا الوضوح الحاد في النهج اللبناني لم يأتِ من فراغ، بل هو وليد استشعار الخطر الوجودي. لقد أدركت الدولة اللبنانية، وإن متأخرة، أن التماهي مع المحاور لا يحمي الأوطان، بل يقلبها ركاماً.

المحور الثاني: الحاضنة الدولية والعربية.. تفهم أميركي ودعم الأشقاء

هذه الصلابة اللبنانية المستجدة أحدثت ارتدادات إيجابية في العواصم الإقليمية والدولية. فلم يعد لبنان يُنظر إليه كطرف مستسلم لمصيره، بل ككيان يحاول استعادة زمام المبادرة، وهو ما أثمر شبكة أمان ديبلوماسية:

الاحتضان العربي الأخوي: بادر أشقاء لبنان العرب، لاسيما في الخليج ومصر، إلى ملاقاة هذا الموقف الرسمي الشجاع. هذا الدعم لا يقتصر على المساعدات الإنسانية الإغاثية، بل يمتد إلى دعم سياسي صلب في المحافل الدولية، انطلاقاً من قناعة عربية بأن استقرار لبنان هو حجر الزاوية لأمن المنطقة.

أصدقاء لبنان حول العالم: تحركت العواصم الأوروبية، وخاصة باريس، لتعزيز هذا التوجه، مؤكدة أن تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، هي الضمانة الوحيدة لمنع الفوضى الشاملة.

التفهم الأميركي: لعل الاختراق الأبرز يكمن في نيل هذا التوجه لتفهم واضح من الإدارة الأميركية. واشنطن تبدو اليوم أكثر اقتناعاً بأن دعم الموقف الرسمي اللبناني المبني على القرار 1701 وبسط سلطة الدولة، هو البديل العقلاني الوحيد الذي يمنع انفجار الشرق الأوسط برُمّته، وهو ما يمنح بيروت أوراق قوة ضاغطة على طاولة المفاوضات.

المحور الثالث: الأخطار الكامنة ولعبة "التخادم" الإسرائيلي - الإيراني

- في السياسة، ليس هناك مصادفات؛ عندما تتلاقى مصالح الأضداد على حساب طرف ثالث، فاعلم أن المؤامرة قد اكتملت أركانها.

رغم هذا المشهد الذي يبدو متماسكاً، إلا أن حقول الألغام لا تزال تفترش الطريق. تكمن الخشية الكبرى اليوم في ما يمكن تسميته بـ "التخادم غير المباشر" بين تل أبيب وطهران. قد يبدو الطرفان في حالة صراع وجودي في العلن، لكن القراءة العميقة للمشهد تكشف عن تقاطع مصالح غريب ومريب يهدف بالدرجة الأولى إلى إسقاط هذا "الإطار السيادي اللبناني":

- المصلحة الإسرائيلية: تسعى إسرائيل إلى إبقاء لبنان في حالة ضعف وتفكك، وتحت ذريعة "محاربة الأذرع الإيرانية"، تجد مبرراً دائماً لقصف بنيته التحتية وتدمير اقتصاده وفرض شروط إذعان قاسية تمنع قيام دولة قوية قادرة على حماية حدودها وثرواتها.

- المصلحة الإيرانية: في المقابل، ترى طهران في أي نهوض للدولة اللبنانية واستقلال لقرارها تهديداً مباشراً لنفوذها الإقليمي. بالنسبة لها، يجب أن يظل لبنان ورقة تفاوضية متقدمة (Proxy) على طاولة صراعها مع الغرب، وتخاف من سيناريو حصر السلاح بيد الدولة لأنه يعني ببساطة نهاية مشروع "الساحات الموحدة" الذي تديره.

هذا التخادم، وإن بدا غير مكتوب، يلتقي عند نقطة واحدة: منع قيام دولة لبنانية قوية وسيدة. فإسرائيل تحتاج للبعبع الإيراني لتبرير غطرستها، وإيران تحتاج للاعتداءات الإسرائيلية لتبرير هيمنتها وسلاحها خارج الشرعية. والضحية في الحالتين؟ لبنان وشعبه.

المحور الرابع: وهم الهيمنة الشعاراتية.. الأعلام لا تصنع وطناً

في خضم هذا الصراع المصيري، تبرز محاولات يائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء ولإظهار لبنان وكأنه مقاطعة تابعة للمحور الإيراني. من هنا، تأتي بعض المشهديات الاستعراضية، كمظاهرة تُرفع فيها الأعلام الإيرانية والشعارات المستوردة، في محاولة لضرب هيبة الدولة وإرسال رسائل للخارج بأن "القرار هنا لا يزال لنا".

لكن الرد الحاد والقوي الذي يفرضه الواقع اللبناني اليوم هو أن هذا "الإطار السيادي" الذي عُمّد بالدم والدموع لا يمكن تقويضه بخرقة قماش أو مظاهرة مدفوعة الأجر.

إن الأوطان لا تُبنى بالشعارات الفضفاضة التي لا تطعم جائعاً ولا تحمي عائلة هُجّرت من بيتها. المواطن اللبناني الذي يفترش الطرقات اليوم، والذي فقد منزله وأحباءه، لم يعد ينطلي عليه وهم "الانتصارات الإلهية" التي تُترجم خراباً على أرض الواقع. العلم الوحيد الذي يعبر عن كرامة هذا الشعب هو العلم اللبناني، وأي علم آخر يُرفع فوق جراح اللبنانيين ليس سوى مسمار جديد يُدق في نعش السلم الأهلي، وهو أمر يواجهه المجتمع اللبناني اليوم بوعي صلب ورفض قاطع.

المحور الخامس: البعد الإنساني.. صرخة من تحت الأنقاض

لا يمكن لقراءة سياسية أن تكتمل دون الاستماع لنبض الشارع، حيث تتجلى المأساة الإنسانية بأقسى صورها. في مراكز الإيواء، وفي عيون الأطفال الذين سُرقت طفولتهم، يرتسم السؤال الكبير: إلى متى سنظل وقوداً لحروب الآخرين؟

خيار بيروت الحتمي.. الدولة أو الزوال

يمر لبنان اليوم بمنعطف تاريخي لا يحتمل القسمة على اثنين. إن صلابة الموقف السياسي الرسمي، والوضوح القاطع بأن استعادة الأرض وإنهاء الهيمنة الخارجية هما المطلبان اللذان يعلوان ولا يُعلى عليهما، يمثلان فرصة الإنقاذ الأخيرة.

هذا النهج، المحصن بتفاهم دولي وأميركي وباحتضان عربي صادق، هو الحصن الذي يجب على جميع اللبنانيين الالتفاف حوله. أما المراهنون على إسقاط هذا الإطار عبر الاستعراضات الشارعية أو الاستقواء بالخارج، فهم يواجهون اليوم جداراً من الوعي الشعبي الصلب.

إن الرسالة الحادة التي توجّهها بيروت للعالم اليوم، من بين الركام ومن خلف سحب الدخان، هي أن لبنان لم يعد مستعداً لأن يكون ضحية "تخادم" من هنا أو مقايضة من هناك. الأرض ستعود، والهيمنة ستنتهي، لأن إرادة الشعوب في البقاء والسيادة أقوى بكثير من صواريخ الاحتلال ومن أعلام الوصاية. إنها معركة وجود، وفي معارك الوجود، لا خيار أمام لبنان إلا أن ينتصر لنفسه، ويكون دولة كاملة الأوصاف، أو لا يكون.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment