لبنان بين الانقسام واستحقاق الخروج من النفق

06/30/2026 - 13:55 PM

Bt adv

 

 

 رشيد ج. مينا

يحار المرء من أين يرى الأمور في لبنان، أو كيف يمكن تفسير هذا الانقسام العامودي والأفقي الذي يكاد يطال كل قضية أو حدث أو استحقاق. فهل هذا هو لبنان فعلًا، أم أنه لبنان الذي أُريد له أن يكون؟

في مقالات سابقة تناولت جوانب متعددة من الواقع اللبناني، بين التاريخ والحاضر، وسبل معالجة الأزمات المتراكمة، والقدرة على ولوج مستقبل يريده اللبنانيون ويستحقونه. وإذا كانت التطورات المتسارعة إقليميًا ودوليًا ومحليًا توحي أحيانًا وكأن عالمًا جديدًا يتشكل، فإن التعمق في قراءة الأحداث وسبر أغوارها يقود إلى استنتاج مختلف، مفاده أن ما يجري لا يبدو في كثير من جوانبه أكثر من عملية إعادة ضبط للتوازنات وتشذيب للأدوار بما يتلاءم مع المتغيرات الجديدة.

ولبنان، كعادته منذ أن دخل النفق قبل أكثر من خمسين عامًا، ليس بعيدًا عن التأثر بهذه التحولات. بل إن المؤشرات لا توحي حتى الآن بأنه بلغ فتحة الخروج من هذا النفق الطويل الذي استنزف دولته ومجتمعه ومقدراته.

وفي هذا السياق، جاء الاتفاق الإطاري الذي وقعه لبنان الرسمي مع دولة إسرائيل العدوة برعاية ودعم وإملاء أمريكي كامل، ليشكل محور انقسام جديد يضاف إلى الانقسامات اللبنانية المزمنة. فالمؤيدون له يصنفون الرافضين في خانة الدفاع عن السلاح ومصالح إيران وعرقلة قيام الدولة، فيما يذهب الرافضون إلى اتهام المرحبين به بالارتهان للولايات المتحدة والانبطاح لإسرائيل والتفريط بالحقوق الوطنية.

غير أن هاتين المقاربتين، على تناقضهما الظاهري، لا تعكسان بالضرورة حقيقة الواقع ولا جوهر الصراع الدائر. فالرضوخ للإملاءات الأمريكية إرضاءً لإسرائيل لا يضمن للبنان استعادة سيادته ولا بناء دولته ولا تعزيز وحدته الوطنية ولا إخراجه من النفق الذي علق فيه منذ عقود. وفي المقابل، فإن التمسك بالسلاح بوصفه خيارًا دائمًا ورفض أي مسار دبلوماسي أو سياسي لم يؤديا بدورهما إلى تحقيق الدولة المنشودة، بل أسهما في مراحل كثيرة في إدخال لبنان في صراعات تتجاوز مصالحه المباشرة، وترتبط بحسابات إقليمية ودولية كان أبرزها الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي بضبط وإدارة أمريكية، وهو صراع لم يكن للبنان فيه مصلحة وطنية تبرر حجم الأثمان التي دفعها.

وشعب لبنان ليس بحاجة إلى من يمنحه شهادات في الوطنية أو العروبة أو مقاومة الاحتلال. فهذا الشعب كان على امتداد تاريخه نصيرًا لفلسطين وقضايا العرب، وقدم التضحيات في مواجهة الاحتلالات والاعتداءات، كما كان حاضرًا في الدفاع عن قضايا الحرية والكرامة والعدالة. ولذلك لا يملك أحد حق تخوينه أو احتكار الوطنية أو الادعاء الحصري بتمثيل مصالحه.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة الاتفاق الإطاري بحد ذاته، ولا معركة الدفاع عن السلاح أو الدفاع عن السياسات الأمريكية أو الإيرانية، بل هي معركة استعادة الإنسان اللبناني ومكانته ووجوده في وطنه، واستعادة الوحدة الوطنية الحقيقية، والقرار الوطني الحر، وحق الشعب اللبناني في تقرير مصيره بعيدًا عن الإملاءات الخارجية والوصايات والمحاور.

لقد آن الأوان لخروج لبنان من النفق، واستعادة الوطن والدولة والمؤسسات والسيادة، وإطلاق حوار وطني جدي بين جميع القوى الحية في المجتمع، يهدف إلى بناء مشروع وطني جامع، يؤكد عروبة لبنان وانتماءه الطبيعي إلى محيطه العربي، ويؤسس لدولة المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص، لا لدولة المحاصصة والفساد والتبعية والإقصاء والتهميش.

فلبنان الذي يستحقه أبناؤه ليس لبنان "الستة والستة مكرر"، ولا لبنان الامتيازات الموروثة والانقسامات المزمنة، بل لبنان الدولة التي يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، ويشعر فيها الجميع بالشراكة والانتماء والأمان.

أما في سياق الصراع مع إسرائيل، فإن لبنان لا يستطيع ولا ينبغي أن يكون وحيدًا. فهو جزء من محيط عربي أوسع، وقضيته في مواجهة الاحتلال والاعتداءات هي قضية عربية بقدر ما هي قضية لبنانية. ومن هنا، فإن حماية لبنان ومصالحه الوطنية تقتضي أن يكون ضمن موقف عربي جامع ومتضامن، لا أن يُترك وحيدًا لتحمل أعباء وصراعات تفوق قدراته وإمكاناته، وهو الذي دفع أثمانًا باهظة على مدى عقود طويلة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment