شبل الزغبي
في عام ١٩٨٣، حين كانت إيران قوةً صاعدة تمدّ أذرعها في المنطقة، وحين كان حزب الله وليداً متوحشاً يشقّ طريقه بالدم والتفجير، سقط اتفاق السلام اللبناني الإسرائيلي تحت وطأة التآمر والإرهاب المنظَّم. أما اليوم، فالمشهد انقلب رأساً على عقب: إيران جريحة ومثخنة بالهزائم، وحزب الله مكسور الشوكة مهزوم الإرادة، وما كان يوماً حائطاً منيعاً أمام السلام بات اليوم أثراً بعد عين. والمعادلة الجديدة تقول بوضوح: ما فشل بالأمس بسبب قوة الشرّ، سينجح اليوم بسبب هزيمته.
اللبنانيون، الذين عانوا عقوداً من الوصاية الإيرانية وابتزاز السلاح والعيش رهائن لمشاريع لا تمتّ لهم بصلة، باتوا اليوم أكثر انسجاماً مع خيار السلام من أي وقت مضى. الوعي الوطني تجذّر، والنقمة على المشروع التدميري بلغت ذروتها، والعزيمة على إنهاء هذه الحقبة السوداء لم تعد شعاراً بل إرادة شعبية حقيقية. لبنان لا يريد أن يكون ساحة حرب لطهران ولا وقوداً لأيديولوجيا الموت، لبنان يريد أن يعيش ويبني ويتصالح مع محيطه ومستقبله.
وفي هذا السياق، تقف الولايات المتحدة الأمريكية شريكاً استراتيجياً حازماً في تحجيم قوى الممانعة وتجفيف منابع التدخل الإيراني في المنطقة. إنها ليست مصادفة أن تتزامن هزيمة حزب الله مع هذه اللحظة التفاوضية؛ بل هو توقيت مدروس يعكس إرادة دولية واضحة بإعادة رسم خريطة المنطقة بعيداً عن أجندات الملالي. ونحن نطالب واشنطن صراحةً بأن تكون ضامنةً حقيقيةً لهذا الاتفاق، وأن تكون ردّها على أي محاولة إيرانية أو حزبلاهية لإجهاضه رداً حازماً وفورياً لا مهادنة فيه ولا مراوغة.
أما على صعيد الداخل، فلا يكفي أن ننتزع السلام بينما نبقي على البنية الكرية التدميرية التي أوصلتنا إلى هذا الدمار. يجب العمل جدياً وبلا تردد على محاسبة هذا الفكر الإلغائي الإرهابي واستئصاله من التركيبة اللبنانية، بكل أدواتها القانونية والسياسية والثقافية. لبنان لا يحتمل ترفاً أيديولوجياً يحرق ما يبنيه الآخرون.
نقولها للرئيس جوزيف عون بكل وضوح: لا تكرر خطيئة الرئيس أمين الجميل، الذي تقاعس عن التصديق على اتفاق ١٧ أيار رغم إجماع مجلس النواب عليه، ففتح بتردده الباب أمام بري وجنبلاط لينقضّا عليه في انقلاب ٦ شباط ١٩٨٤ المشؤوم، وليطيلا أمد مأساة لبنان عقوداً إضافية. التاريخ لا يرحم المترددين، والفرصة التاريخية اليوم لا تعوّض إذا أُفلتت. على الرئيس عون والحكومة أن يواجهوا بجرأة المعترضين على اتفاق السلام، فلا مجال هذه المرة لإفساح الطريق أمام انقلاب جديد يعيد لبنان إلى دوامة الدم والتبعية.
لبنان أمام مفترق تاريخي: إما السلام أو الانتحار، لا ثالث بينهما.












07/01/2026 - 08:37 AM





Comments