واشنطن - بقلم شربل عبد الله أنطون
في اليوم نفسه الذي أكّد فيه ثلاثة قادة ذوو مصالح متعارضة الحقيقة ذاتها، أعلنت واشنطن عن تحقيق اختراق دبلوماسي؛ رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قال إن الصواريخ الباليستية «لم تكن يوماً محل نقاش». وشدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن ملف الصواريخ «لن يكون أبداً» جزءاً من أي اتفاق. بينما قلل الرئيس ترامب من شأن الصواريخ الباليستية الإيرانية بوصفها أسلحة «تؤذي موقعاً صغيراً» لكنها «لا تفجّر الكوكب».
ثلاثة أطراف فاعلة، لا تتفق على شيء تقريباً، أقرّت بالإغفال البنيوي نفسه. هذا التزامن ليس ضجيجاً في الخلفية، بل هو جوهر القصة.
تتضمّن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران التزاماً واحداً يتعلق بالأسلحة: موافقة إيران على عدم تطوير أسلحة نووية. أمّا الصواريخ الباليستية — وهي وسيلة (أو نظام) إيصال تلك الأسلحة، والترسانة التي استخدمتها إيران مراراً وتكراراً في جميع أنحاء المنطقة، والركيزة الأساسية لعقيدة الردع الإيرانية — فلم تُذكر ولو مرة واحدة في مذكرة التفاهم.
هذا الإغفال ليس مجرد هامش ينتظر جولة تفاوضية لاحقة. إنه الثمن الذي جعل توقيع مذكرة التفاهم ممكناً — وبالتالي السمة البنيوية المُمَيزة لهذه المذكرة.
لم تُرتّب واشنطن التهديد تسلسلياً، بل تخلّت عن نصفه.
باستبعاد الصواريخ الباليستية من مذكرة التفاهم المكونة من 14 نقطة، قامت واشنطن بخطوة ذات تداعيات بنيوية (هيكلية)؛ إذ فصلت الرأس الحربي عن وسيلة نقله، وتعاملت معهما كمسارين تفاوضيين منفصلين، بينما تعاملت إيران معهما دائماً كمنظومة ردعية واحدة ومتكاملة.
إن البرنامج النووي الخالي من الصواريخ يظل مجرد مشروع علمي، أما البرنامج الصاروخي الخالي من الرؤوس النووية فيمثل قوة عسكرية فعلية يمكن لإيران استخدامها اليوم، وطهران تستخدمها بالفعل ضد دول الخليج العربية وإسرائيل.
أدت رشقات الصواريخ الباليستية الإيرانية التي أُطلقت في أكتوبر 2024 إلى ارهاق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية على نطاق واسع، مما كشف عن حدود قدرات الاعتراض حتى عند إسقاط معظم الصواريخ. وتوفر مذكرة التفاهم الحالية حماية لهذه القدرة الفعّالة من أي ضغوط إضافية؛ إذ لا يقلل هذا الاغفال من حجم التهديد الإقليمي، بل يمنح أول إعفاء دولي للسلاح التقليدي الرئيسي لدى إيران.
جلست إيران إلى طاولة المفاوضات وبرنامجها الصاروخي سليم وفعّال. أما واشنطن فدخلت المفاوضات وهي بحاجة إلى اتفاق ملموس أكثر مما كانت طهران بحاجة إلى تقديم تنازلات. هذا الاختلال في التوازن شكّل النتيجة. فقد سبق للإدارة الأميركية أن طرحت الصواريخ كـ «مسار ثانٍ» قبل انتهاء المفاوضات، بينما تمسّكت طهران ببساطة بالموقف الذي تخلّت عنه واشنطن سلفاً. كان إدراج الصواريخ سيتطلّب مشاورات أميركية مع إسرائيل والسعودية والخليج، الأمر الذي كان سيؤدي إلى إبطاء المحادثات أو انهيارها. فأعطت واشنطن الأولوية للسرعة على حساب البنية. كما أن خطاب ترامب العلني سهّل على إيران انتزاع التنازل: فإذا كانت الصواريخ «لا تفجّر الكوكب»، فإن استبعادها من المذكرة يصبح ميزة لا عيباً. لقد استغلت إيران هذا المنطق بدقة ووعي.
تتوقع إيران الحصول على ما يتراوح بين 10 و16 مليار دولار تقريباً من الأصول المجمدة خلال فترة الستين يوماً القادمة. إن تخفيف العقوبات دون فرض قيود على الصواريخ لا يُعد مكافأةً للامتثال، بل هو تمويل للقاعدة الإنتاجية وشبكات توريد المكونات التي تضاعف القدرة الهجومية لإيران.
تتميز القاعدة الصناعية الصاروخية الإيرانية بجذورها المحلية وقدرتها على الصمود أمام العقوبات على مستوى التصنيع؛ وكل ما ينقصها يقتصر على المكونات ذات الاستخدام المزدوج، مثل أنظمة التوجيه، ومواد الدفع الأولية، والإلكترونيات المتقدمة. ويأتي تخفيف العقوبات عن إيران ليعالج هذا النقص تحديداً؛ فكل أسبوع من الإفراج عن الأموال دون فرض قيود صاروخية، يمثل أسبوعاً إضافياً تتنامى فيه القدرة الإنتاجية الصاروخية لإيران تحت غطاء دبلوماسي.
تُعد كل دول الخليج العربية وإسرائيل أهدافاً رئيسية لبطاريات الصواريخ الإيرانية التي تًركت خارج مذكرة التفاهم؛ والحلفاء الذين لم يُستشاروا لا يمكن إلزامهم باتفاق يتجاهل التهديد الموجّه إليهم. وقد بدأت إسرائيل بالفعل في إعادة توجيه استراتيجيتها نحو خيارات أحادية الجانب، في حين ستعمل دول الخليج العربية على تسريع وتيرة تطوير أنظمة دفاع صاروخي محلية وتعزيز علاقاتها مع موردين من خارج الولايات المتحدة. وتُضعف مذكرة التفاهم هذه سياسة "الردع الموسع" الأميركية، إذ تُظهر أن واشنطن ستكتفي بإدارة التصعيد بعد وقوعه بدلاً من العمل على منع حدوثه؛ فالطلب من الحلفاء تأمين أنفسهم ذاتياً ضد تهديدٍ أقرت واشنطن بوجوده للتو لا يُعد "تقاسماً للأعباء"، بل هو تخلٍ عنهم مغلف بلغة دبلوماسية.
بالنسبة لطهران، لا يُعد البرنامج الصاروخي ورقة تفاوضية، بل هو الضامن لبقاء النظام؛ فالبرنامج النووي يردع أي هجوم وجودي، بينما يردع البرنامج الصاروخي التدخل التقليدي ويُمكّن إيران من استعراض القوة. ويُعزز إغفال مذكرة التفاهم للبرنامج الصاروخي صحة العقيدة الإيرانية القائلة بأن بناء ونشر قوة ضرب تقليدية يمنح نفوذاً وقوة تأثير، بدلاً من أن يستجلب العقاب. مؤخرا، قال رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، بأن لبنان «قاتل 104 أيام نيابة عن إيران الإسلامية» في حين «قاتلت إيران 38 يوماً». لم يكن تصريح قليباف مجرد مبالغة خطابية، بل كان تعبيراً علنياً عن عقيدة إيران القائمة على استخدام الأذرع المسلحة، وجاء هذا التصريح في وقت كان فيه المفاوضون الإيرانيون يبرمون اتفاقاً يُبقي الأدوات الرئيسية لتلك العقيدة بمنأى عن أيّ مساس.
لا تُتيح هذه الفترة الانتقالية مجالاً لإدراج الصواريخ في أي جولة مفاوضات جديدة، بل تُرسّخ مبدأ إيران القائل إن الصواريخ خارج النقاش. وبمجرد أن تُظهر طهران امتثالاً نووياً جزئياً - مهما كان تعريفه - يتزايد الضغط السياسي على واشنطن للحفاظ على الاتفاق. ويتطلب إضافة الصواريخ إلى جدول الأعمال في تلك المرحلة إما حسن نية إيرانية أو حملة ضغط جديدة على طهران، وكلاهما غير متاح في ظل المسار الحالي. إن هذا الإغفال لا يُقلل من خطر التصعيد، بل يُعيد توجيهه. وستحدث المواجهة المقبلة التي تشمل القدرات الباليستية الإيرانية خارج أي إطار متفق عليه، ومن دون وجود آلية لخفض التصعيد.
تتناول مذكرة التفاهم السلاح الذي قد تُطوّره إيران في المستقبل، بينما تترك الأسلحة التي تُطلقها طهران اليوم دون مساس.
ما لم تُدرج الصواريخ الباليستية في جولة المفاوضات القادمة كشرط مُسبق للتفاوض، بدلاً من كونها طموحاً مستقبلياً، فلن تُذكر مذكرة التفاهم هذه كبداية لنزع السلاح النووي الإيراني، بل كلحظة أقرت فيها واشنطن - وموّلت - توسيع نطاق التهديد الذي ادّعت احتواءه.
إن تفكيك برنامج نووي محمي بالصواريخ أصعب بكثير من تفكيك برنامج نووي مكشوف. وواشنطن تبني تلك الحماية الآن، مع كل دفعة أموال إيرانية تُفرج عنها.












07/01/2026 - 07:27 AM





Comments