د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
منذ فجر الإسلام بعدما وحد الرسول صلى الله عليه وسلم شبه الجزيرة العربية، أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى الحارث بن أبي شمر الغساني يدعوه إلى الإسلام، في السنة الثامنة للهجرة، 629 م، لكن أقدم شرحبيل بن عمرو الغساني والي البلقاء الموالي للروم على قتل الصحابي الجليل الحارث بن عمير، وكان قتل الرسل في العرف الدبلوماسي آنذاك بمثابة إعلان حرب، تلى تلك الحادثة مقتل معظم سرية الصحابي كعب بن عمير الغفاري التي أرسلت لدعوة قبائل بلقاء الشام.
اشتد قتل الحارث بن عمرو الأزدي على الرسول صلى الله عليه وسلم، فجهز جيشا بقيادة زيد بن حارثة للرد على قتل الحارث الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاندلعت معركة تبوك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لكنها انتهت بصلح دون قتال في 630م، لكن في 636م كانت معركة اليرموك اكبر معركة ينتصر فيها المسلمون خارج جزيرة العرب، بعدما أصر هرقل على استرداد الشام بعدما حدثت انتصارات واسعة للمسلمين، وسقوط مدن عديدة وعلى رأسها دمشق، وكذلك معركة القادسية مع الفرس في نفس السنة 636 التي انتهت بقتل رستم قائد الفرس وفتح العاصمة الفارسية المدائن، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
تحولت جزيرة العرب بعد معركتي اليرموك والقادسية من منطقة منعزلة إلى المركز الاستراتيجي والروحي لإمبراطورية إسلامية مترامية الأطراف، ارتفعت أهميتها السياسية لتصبح قاعدة انطلاق، مع الحفاظ على دورها كعاصمة دينية، مما عزز مكانتها وهيمنتها الدينية والثقافية واللغوية، واحتفظت وبشكل خاص المدينة المنورة بمكانتها كعاصمة دينية وسياسية، بل أصبحت طرق التجارة التي تربط الجزيرة العربية تحت سيطرتها مما أنعش الاقتصاد في كافة أنحاء الإمبراطورية الإسلامية.
شهد مركز الثقل السياسي والاقتصادي تحولات تاريخية، حيث انتقل من الجزيرة العربية إلى عواصم الامبراطوريات المتعاقبة في الشام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه 660م وفي العراق أيضا في الكوفة مقر الإمام علي رضي الله عنه في 660م، حتى سقوط بغداد على يد المغول عام 1258م، وفي القاهرة أيام المماليك، وفي إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية إثر سيطرة السلطان سليم الأول على الشام ومصر في معركة مرج دابق 1516م، وبقيت الجزيرة العربية تلعب دورا روحيا ودينيا.
ولكن الدور عاد مجددا في الوقت الراهن إلى الجزيرة العربية، وتحديدا إلى المملكة العربية السعودية التي أصبحت تقود المشهد كمركز ثقل إقليمي وعالمي، وعاصمة سياسية واقتصادية ولوجستية، في ظل تحولات جيوسياسية واقتصادية كبرى، حتى باتت الرياض الوجهة الرئيسية للاستثمارات ومركزا لربط سلاسل الإمداد العالمية وفقا لرؤية التحول الاستراتيجي، بل أصبحت صمام الأمان للوجود العربي والإسلامي وصاحبة القرار الأبرز العالمي في ملف الطاقة، وفي ملفات رسم مسارات التنمية والأمن العالمي، بفضل موقعها كمهد للحرمين الشريفين، وتقود المسلمين في كافة المحافل، مما رسخ مكانتها كقلب نابض ومركز ثقل لا غنى عنه في السياسات الإقليمية والدولية.
صقل هذا النفوذ دور سعودي جيوبولتيكي مركزي متجدد على مدار 40 سنة من المواجهة الجيوسياسية مع ملالي طهران نتيجة طبيعية لحراك عالمي، لكن باختراق صيني استراتيجي في المسرح الاستراتيجي التقليدي للولايات المتحدة الوارثة الطبيعية للاستعمار الأوروبي بتهدئة بين السعودية وإيران في مارس 2023 شكل زلزال جيوبولتيكي، ولم تكن العلاقات السعودية الإيرانية خلال ال40 سنة متأزمة بل هناك مراحل كانت العلاقات فيها تقارب وانفتاح خصوصا في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني 1989، 1997، كان الخطاب ما بين خطاب ثوري وخطاب رسمي، وفي حقبة الرئيس محمد خاتمي 1997-2005، وكانت زيارة خاتمي للسعودية عام 1999 وهي اول زيارة منذ الثورة في 1979، باعتبار أن التفاهم بين البلدين أقل كلفة وأكثر فائدة للبلدين ويقطع الطريق على اشعال الحرب.
ومنذ اغتيال رفيق الحريري 2005، واعدام الرئيس صدام حسين 2006، ودعم إيران ثورات الربيع العربي 2011 اعتبرتها إيران امتداد للثورة الخمينية 1979، وجندت المليشيات في اليمن وسوريا والعراق ولبنان وفي البحرين 2011 بدأت المواجهة بين البلدين في البحرين، وفي المنطقة الشرقية 2012، وحكمت السعودية على نمر النمر بالإعدام في 2014، ودخل الحوثيون صنعاء في 2014 دفع السعودية إلى اعلان عاصفة الحزم في 2015، واعدام نمر النمر في 2016 انقطعت العلاقات بين البلدين، بسبب أن إيران اعتبرت الاتفاق النووي مع مجموعة 5+1 فرصة في إخراج إيران من عزلتها الدولية اقتصاديا وسياسيا، واعتبرته ضوءا أخضر للتمدد في محيطها العربي، وتحقيق حلمها الفارسي التاريخي لمحاصرة الجزيرة العربية وبشكل خاص تواجدها في الممرات مضيق هرمز وباب المندب أي محاصرة السعودية، لم يكن أمام السعودية خيار سوى الدفاع عن أمنها خصوصا وأن الدور الأمريكي يود الانسحاب إلى آسيا لحصار الصعود الصيني، زاد الأمر تعقيدا تصريحات باراك أوباما لمجلة ذا أتلانتك بضرورة تقاسم النفوذ مع إيران، ما اعتبرته السعودية تقارب أمريكي إيراني على حساب المنطقة العربية.
كان فرصة للسعودية بعد تذبذب العلاقات السعودية الأمريكية خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وتفاقمت في السنوات التالية، خصوصا مع التفاهم الأمريكي الإيراني في 2001، 2003 أثناء غزو أفغانستان والعراق لتغيير وجه المنطقة عبر استراتيجيات الشرق الأوسط الكبير لتكون إسرائيل ضمن هذا الشرق الأوسط الكبير، ارتبكت الأزمة أكثر بين السعودية وأمريكا بمجئ أوباما الذي رعى ثورات الربيع العربي وعقد اتفاق نووي مع إيران 2015 مع غض الطرف عن النفوذ الإيراني في المنطقة العربية.
لم تخشى الولايات المتحدة من النفوذ الصيني في المنطقة الذي شكل زلزالا جيوبولتيكيا بل خشيتها من ابتعاد السعودية عن دائرة النفوذ الأمريكي بشكل تدريجي رغم ان السعودية تعلن عن علاقاتها مع أمريكا بأنها استراتيجية، لكن الولايات المتحدة غير مقتنعة بذلك، ما جعل أمريكا خصوصا في عهد ترمب بأن يقوم بأول زيارة خارجية إلى السعودية ولبى جميع مطالب السعودية الأمنية والاستراتيجية خصوصا في اليمن الذي يقع في صلب الأمن القومي السعودي.
برزت السعودية كقوة توازن رئيسية في الصراع الأمريكي الإيراني عبر استراتيجية الواقعية السياسية، حيث استخدمت ثقلها الدبلوماسي لمنع اتساع رقعة الحرب، وتحجيم الأضرار الاقتصادية، ومن ثم بإنهاء العمليات العسكرية والتوجه نحو المفاوضات والتهدئة.
اتجهت السعودية نحو ضبط الإيقاع بعدما رفضت الانخراط كطرف مباشر، وسخرت ثقلها السياسي ومكانتها الدولية للضغط باتجاه التهدئة وحماية أسواق الطاقة العالمية، من خلال تنويع التحالفات وإدارتها بحكمة لتجنب الارتهان الكامل للسياسات الأمريكية الأحادية، متخذة مسارا يضمن استقلاليتها الاستراتيجية وتأمين مصالحها الوطنية وسط سيولة التحالفات في الشرق الأوسط.
المنطقة تتجه نحو مرحلة توازن القوى وإدارة السعودية الصراع بمسار براغماتي مبتعدة عن مشاريع الشرق الوسط الكبير أو الجديد التي حاول فرضها اليمين الإسرائيلي، وتعيد هذه التسوية الأمريكية الإيرانية عبر الوسطاء صياغة الخرائط السياسية لترسيخ دور القوى الإقليمية وتحديدا الدور السعودي كصمام امان للاستقرار.
خصوصا بعدما أفشلت السعودية مشروع إسرائيل في تغيير النظام الإيراني، أو إعادة رسم خرائط المنطقة بالقوة، بل رسمت السعودية واقعا جديدا فرض مسارا يعتمد على تسويات واقعية والتفاوض بدلا من المغامرات العسكرية، وفي نفس الوقت أدارت السعودية المنطقة عبر صيغة تمنع أي طرف أمريكي إسرائيلي أو إيراني من الاستئثار بالقرار أو فرض رؤيته الشاملة، وفرضت السعودية الحسابات الاقتصادية ومشاريع التنمية أن تتقدم على خيارات الحسم المفتوح، بعدما تبنت السعودية ودول الخليج نهجا يهدف إلى بناء بيئة مستقرة ترفض التحول لرهينة في يد أذرع المليشيات المسلحة، وتركز في المقابل على التحولات الاقتصادية الكبرى ومصالح المنطقة، أي أن السعودية أبرزت الدور الخليجي كضامن للاستقرار.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا










06/30/2026 - 11:52 AM





Comments