بقلم: فرنسوا الجردي
من أسقط 17 أيار... هل يسعى اليوم إلى إسقاط اتفاق الإطار؟
في السياسة اللبنانية، قد تتبدل الشعارات، لكن المواقف كثيرًا ما تعيد إنتاج نفسها. وما نشهده اليوم من اعتراضات على اتفاق الإطار يثير، في نظر كثيرين، تساؤلات تعيد إلى الواجهة تجربة اتفاق 17 أيار 1983، وكأن التاريخ يصر على تكرار نفسه، فيما يبقى لبنان وحده يدفع الثمن.
السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل المشكلة كانت يومها في الاتفاق، أم في مبدأ أن تتولى الدولة اللبنانية بنفسها قرار الحرب والسلم؟
أمين الجميل... رئيس حاول إنقاذ الدولة لا التفريط بها
عندما وقّعت الدولة اللبنانية اتفاق 17 أيار، لم يكن الرئيس أمين الجميل يتصرف بصفته زعيم فريق سياسي، بل بصفته رئيس الجمهورية، مستندًا إلى حكومة شرعية ومجلس نواب منتخب، وفي ظل ظروف استثنائية عاشها لبنان بعد سنوات من الحرب والاجتياحات والانقسامات.
قد يختلف اللبنانيون في تقييم ذلك الاتفاق، لكن من الصعب إنكار أن الرئيس أمين الجميل سعى، وفق قناعته السياسية والدستورية، إلى إخراج لبنان من الحرب وإعادة القرار إلى الدولة ومؤسساتها الشرعية. ومع ذلك، لم يُقابل بمحاكمة سياسية هادئة، بل بحملة تخوين واسعة، انتهت بإسقاط الاتفاق، ودخل لبنان بعدها مرحلة جديدة من الصراعات والوصايات والدمار.
من التخوين بالأمس... إلى الحنين اليوم؟
المفارقة السياسية التي تستحق التوقف عندها، أن بعض القوى التي خاضت معركة إسقاط اتفاق 17 أيار، واعتبرته يومها خيانة وطنية، تتحدث اليوم عن تلك المرحلة بطريقة مختلفة، فيما تعارض في الوقت نفسه أي اتفاق جديد تسعى الدولة اللبنانية من خلاله إلى وقف الحرب.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كان اتفاق 17 أيار خطأً لأنه سعى إلى إنهاء الحرب عبر التفاوض، فلماذا يُرفض أيضًا أي اتفاق إطار جديد يهدف، بحسب مؤيديه، إلى وقف حرب جديدة؟
وإذا كانت الدولة لا تستطيع أن تفاوض لإنقاذ شعبها، فمن يملك هذا الحق؟ الكيل بمكيالين... أم مراجعة متأخرة للتاريخ؟
التاريخ لا يرحم.
فالذين اعتبروا عام 1983 أن أي تفاوض تقوده الدولة هو استسلام، يجدون أنفسهم اليوم أمام اتفاق جديد ترعاه الولايات المتحدة وتوافق عليه الحكومة اللبنانية، ويُطرح باعتباره فرصة لوقف نزيف الدم.
وهنا يبرز سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: إذا كان التفاوض بالأمس خيانة، فكيف يصبح التفاوض اليوم مقبولًا لدى بعضهم أو مرفوضًا لدى بعضهم الآخر وفق تبدل المصالح والظروف؟
أليست وحدة المعايير أساس الحياة السياسية السليمة؟
اتفاقان... وهدف واحد: وقف الحروب
رغم اختلاف الظروف بين عام 1983 واليوم، فإن مؤيدي الاتفاقين يجادلون بأن القاسم المشترك بينهما هو محاولة إخراج لبنان من دوامة الحرب، وإعطاء الدولة فرصة لاستعادة دورها.
فالسلام ليس هزيمة عندما تقوده الدولة. والتفاوض ليس جريمة عندما يكون هدفه حماية الشعب وإنقاذ الوطن. أما استمرار الحروب، فقد أثبت أنه لم يبنِ دولة، ولم يحقق ازدهارًا، ولم يوفر الأمن للبنانيين.
هل ظلم التاريخ الرئيس أمين الجميل؟
بعد أكثر من أربعة عقود، تبدو الحاجة ملحة لإعادة قراءة تلك المرحلة بعيدًا عن لغة التخوين والانفعال.
فقد يكون من المشروع الاختلاف مع خيارات الرئيس أمين الجميل، لكن ليس من الإنصاف اختزال تجربته باتهامات سياسية، متجاهلين أنه تصرف من موقع رئيس الدولة، وبوسائل الدولة، ومن خلال المؤسسات الدستورية.
إنصاف الرئيس أمين الجميل لا يعني تبني كل خياراته، بل الاعتراف بأن مشروعه كان مشروع دولة، وأنه حاول، وفق رؤيته، إنهاء الحرب عبر السياسة لا عبر استمرار القتال.
هل يعيد التاريخ إنتاج المأساة؟
اليوم يقف لبنان مرة أخرى عند مفترق طرق.
إما أن تُمنح الدولة فرصة لتقود القرار الوطني، أو يتكرر المشهد نفسه الذي عرفه اللبنانيون قبل أربعين عامًا، فتُسقط المبادرات، وتُجهض التسويات، وتُفتح أبواب حرب جديدة لا يريدها أحد.
لقد أثبت التاريخ أن إسقاط الاتفاقات لا يعني بالضرورة إنتاج حلول أفضل، وأن الشعوب هي التي تدفع دائمًا ثمن الحسابات السياسية.
كلمة أخيرة
ليس المطلوب إعادة كتابة التاريخ، بل قراءته بإنصاف.
وليس المطلوب تقديس الأشخاص، بل الاعتراف بأن الرئيس أمين الجميل حاول، في واحدة من أصعب مراحل لبنان، أن يبحث عن مخرج سياسي يحفظ الدولة.
واليوم، فيما يقف لبنان أمام استحقاق جديد، يبقى السؤال الكبير:
هل سيتعلم اللبنانيون من دروس الماضي، أم سيكررون المشهد نفسه، فيسقطون فرصة جديدة لإنقاذ وطنهم، ثم يندمون عليها بعد سنوات طويلة؟.










06/30/2026 - 10:10 AM





Comments