رسالة من من ناجي علي أمهز إلى فخامة الرئيس دونالد ترامب، انقذ الشيعة

11/15/2025 - 06:36 AM

A

 

 

 

سيدي الرئيس،

قد يقول أحد مستشاريك إن هذه الكلمات لا مكان لها في حسابات القوة والمصالح. وهذا صحيح. لذلك، أدعوك أن تقرأها ليس بصفتك قائد أقوى دولة في العالم، بل بصفتك إنساناً يملك القدرة على أن يزرع معنىً في عالم لم يعد يؤمن إلا بالقوة. فهذه الرسالة ليست عن المصالح، بل عن الأثر الذي يبقى بعد أن تصمت كل الحسابات."

إنّ التاريخ — كما يقول المفكر اللبناني ميشال شيحا — ليس رواية تُتلى، بل قوّة تتشكّل، وهو يميل دائماً إلى الأقوياء، لكنّه لا يحفظ منهم إلا الذين يحسنون صياغة القوة في عقلٍ لا في بطش، وفي رؤيةٍ لا قمع. فالعالم، في كل قرن، يعيد كتابة نفسه، لا بالمداد، بل بميزان القوى، وبما يقدر عليه البشر من علم وثقافة وقدرة على إعادة اكتشاف الإنسان.

في الضفة الشرقية من العالم، كان ستالين يرقد في غيبوبة الموت، لا يجرؤ أحد من حاشيته على لمسه خوفًا من بطشه حتى وهو يحتضر، رجلٌ بلغ من الطغيان ما جعل موته أسرع من قدرة مَن حوله على كسر حاجز الخوف، مات، لأن حكم القوة وحدها لا يصنع دولة ولا يؤسّس حضارة.

وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة تُجري آخر امتحاناتها الكبرى مع نفسها: تكسر آخر قيود العنصرية، وتعلن أن الإنسان يستحق مكانه في الحلم الأميركي، فبلغت ذروتها بوصول باراك أوباما، رجل من أصول أفريقية، إلى البيت الأبيض، لم يكن ذلك حدثاً سياسياً فحسب، بل إعلاناً أنّ الدولة العظمى تُبنى على إرادة العدل لا على لون البشرة.

وفي اللحظة نفسها، كان عالمٌ ثالث يعبد النصوص القديمة خشية أن يناقشها، ويقيس صحة المعرفة بعمرها لا ببرهانها. بينما كانت بلادكم تفكك ألغاز الكون، وتُسائل الوجود، وتدفع العلماء إلى حدود العقل البشري. فانتصر العلم على الخرافة، والمعرفة على الركود، والإنسان على المال.

لقد طبّقت أمريكا، من خارج الأيديولوجيات، جوهر فكر ماركس في الاستثمار بالإنسان، وجوهر وصايا المسيح ومحمد في العدالة بين البشر، وجوهر الحكمة الشرقية حين سخّرت الشمس والنجوم في خدمة الاكتشاف العلمي. هكذا — فقط — تولد الأمم العظمى.

سيدي الرئيس،

ليس غريباً أن يختلف معكم كثيرون؛ فالدول الكبيرة تشبه الجبال: لا تُرى من زاوية واحدة. لكنني هنا أتحدث إليكم من مكان آخر، من الهامش الذي وُلدت فيه، من تاريخ طائفةٍ ظُلمت بقدر ما أحبّت الإنسان.

أنا شيعي، ولست بطالب امتيازات.

أنا ابن مدرسة بدأت قبل أربعة عشر قرناً مع رجل اسمه علي بن أبي طالب. كان خليفة للمسلمين، ومع ذلك كان يُشتم في الطرقات بسبب العصبية القبلية ومع ذلك لم ينتقم، لأن الدولة عنده كانت عقداً بين الإنسان وضميره، لا بين السلطان ورعاياه. قُتل وهو يصلّي، يومها انتصر العقل القبلي على العدالة. ثم جاء حفيده الحسين، فخرج لا يطلب ملكاً بل يطالب بعدالة تُنصف الإنسان، فغلبته السيوف، لا لأنه ضعيف، بل لأن صوته كان أعلى من زمنه..

نحن، أتباعهما، لم نكن أصحاب جيوش ولا عروش. نحن أقلية رفضت امتيازات الاحتلال الفرنسي والإنجليزي، وبقينا خلف الاكثرية الاسلامية، ولكن في مقدمتهم حين تُطلب التضحية، وفي آخر الطوابير حين تُقسّم المغانم. لم نحقد على أحد، ولم نحارب أحداً إلا دفاعاً عن إنسانية البشر وعن الأرض.

اليوم، قد يقول البعض إن الشيعة يُلامون لأنهم دافعوا عن أطفال غزة في وقت صمت فيه مليار ونصف من العرب والمسلمين. لكن أي منطق هذا؟ لو كان المسيحيون مَنْ يتعرضون للظلم، لكنا فعلنا الأمر ذاته؛ فنحن الذين حفظنا مودة العقل المسيحي حين كتب عن الإمام علي أجمل ما قيل في العدالة، بينما كفّرنا كثيرون من أبناء ديننا.

ربما، سيدي الرئيس، نحن مذنبون بطيبتنا. مذنبون لأننا ما زلنا نؤمن أن الإنسان قيمةٌ بذاته. لكن ذنبنا هذا لا يستحق الإبادة، ولا التهجير، ولا التدمير.

إنني أكتب إليكم لا دفاعاً عن طائفة، بل عن معنى العدالة نفسه. فالتاريخ — كما يُعلّمنا شيحا — لا يرحم الدول التي تنتقم في لحظة جنون، لأن الأمم العظمى تُقاس بقدرتها على كبح غضبها.

أمامكم، سيدي الرئيس، فرصة لتتركوا أثراً لا يُمحى: أن يقال يوماً إن أمريكا تمسكت بإرثها العلمي والإنساني، وأنها قرأت ما وراء اللحظة، وأنها اختارت الحكمة على الانفعال. وهذه، وحدها، هي القوة التي تبني عالماً جديداً.

ليس من الحكمة أو موازين القوى أن يقال إن أمريكا انتصرت على الشيعة، فمناطقنا لا تعادل بحجمها بارجة بحرية لكم تمخر عبر المحيطات، وليس من القوة وأنتم تحكمون 8 مليارات إنسان أن تستقووا على مليون ونصف في عالم ثالث بحاجة أن تعيدوا إليه توازنه.

سيدي الرئيس،

حين ضربت الحرب العالمية الثانية قلب اليابان، أدرك الإمبراطور أن لا طائل من تحدّي العالم، فأعلن الاستسلام حفاظاً على ما تبقّى من شعبه. وربما سيقول البعض اليوم إن على الشيعة أن يسلكوا الطريق نفسه، وأن يرفعوا الراية البيضاء في وجه العاصفة.

لكن الحقيقة، يا سيدي الرئيس، أنّ الشيعة لم يدخلوا حرباً ليخرجوا منها بمفاوضات أو مكاسب أو أعلام مرفوعة. دخلوا فقط لأن صرخة أطفالٍ تُدفن تحت الركام في غزة اخترقت قلوبهم. لم يفكروا بالنصر، ولا بالهزيمة، ولا حتى بالنجاة. كما أن كل رايات الاستسلام في الدنيا لا تعادل حزننا وألمنا على فراق أحبة كانوا هم كل الحياة لنا. ولا شيء يعوض حالة الخذلان في نفوسنا من أناس قدمنا لهم كل شيء نملكه في الحياة، لتكون عاقبتنا أننا ننتظر من هذه الفئة من سينقض علينا ليقتلنا تحت شعار أننا كفار أو أهل باطل.

سيدي الرئيس، نحن نعيش بسبب عاطفتنا النبيلة والمنزهة عن أية مكاسب أخطر لحظاتنا الوجودية، فلا نحن مع الغرب بخير لأننا آمنا بكلام أهل الشرق أكثر من إيمانهم بما قالوه لأننا صادقون. ولم نعلم أن أهل الشرق لن يتقبلوننا مهما فعلنا لأننا نؤمن بأنه لا فرق بين مسيحي ويهودي وبوذي، فإن لم يكن أخاً لك في الدين فهو نظير لك في الخلق.

سيدي الرئيس خطيئتنا اننا وضعنا أجسادنا وارواحنا بين الموت وبين من يستغيث. إنّ التاريخ ملآن بأولئك الذين لُقّبوا بـ"المجانين" لأنهم قفزوا إلى نهر هائج لإنقاذ غريق، أو اندفعوا نحو مبنى مشتعل لإنقاذ طفل لا يعرفونه. لكن هؤلاء، في الميزان الأخير، لم يكونوا مجانين؛ كانوا الصوت النادر للإنسانية حين تسقط كل الأصوات الأخرى.

سيدي الرئيس،

نحن لم نذبح طفلاً، ولم نفجّر كنيسة أو مسجداً، ولم نخطف فتاة، ولم نقتل أسيراً. نحن لا نحمل مشروع إبادة، ولا مشروع سيطرة. كل "خطرنا" أننا نسمع ما لا يريد العالم أن يسمعه: استغاثة الإنسان المقهور.

نعم، اندفع الشيعة للدفاع عن الفلسطيني — هذا الإنسان الذي تركه أقرب الناس إليه. ولكن يا سيدي الرئيس، حتى لو اختلف العالم مع الشيعة، لا يجوز أن يُقتلوا الشيعة، ولا يجوز — وهذا الأخطر — أن تُقتل إنسانيتهم. لأن قتل الإنسان لأجل موقف إنساني، هو اللحظة التي يفقد فيها العالم آخر ما تبقّى من ضميره.

سيدي الرئيس، إن كنت تريد أن تخلد في هذا العالم الذي لم يبقَ شيء فيه يُكتشف، فاكتشف في هذه اللحظة المفصلية أن تمد يدك للشيعة، لا لتعاقبهم على إنسانيتهم، بل لتغلق حقبة من الألم الذي يعيشه الإنسان الشيعي منذ ألف وأربع مئة عام.

مع فائق الاحترام،

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment