د. مهى محمّد مراد
في الواقع، إنّ مكافحة الفساد ليست معركةً ضد أشخاص، بل اختبار لقدرة الدولة على استعادة هيبتها وثقة مواطنيها. والسؤال في العالم العربي لم يعد يُطرح ما إذا كان الفساد موجودًا، بل كيف تحوّل، في بعض الدول، من سلوك فردي إلى ثقافة حكم، ومن تجاوزٍ للقانون إلى آلية لإدارة السلطة. فعندما يصبح المنصب وسيلة للإثراء، وتغدو الدولة غنيمة تتقاسمها مراكز النفوذ، لا يعود الحديث عن إصلاح إداري أو مالي كافيًا، لأن الأزمة تكون قد تجاوزت حدود الفساد لتطال جوهر الدولة نفسها.
فالدولة لا تنهار يوم تفرغ خزائنها، بل يوم يفقد المواطن ثقته بأن القانون يسري على الجميع، وفي اللحظة التي يقتنع فيها الناس بأن النفوذ أقوى من العدالة، وأنّ العلاقات أقوى من المؤسسات، يبدأ الانهيار الحقيقي، حتى وإن بقيت المباني قائمة، والوزارات مفتوحة، والأعلام مرفوعة.
لهذا، لم تعد مكافحة الفساد مجرد ملف قضائي أو شعار انتخابي، بل أصبحت معيارًا تُقاس به قدرة الدولة على استعادة هيبتها وفرض سيادة القانون، فالدولة التي تعجز عن محاسبة أصحاب النفوذ تعلن، من حيث تدري أو لا تدري، أنها فقدت جزءًا من سيادتها الداخلية.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت في المنطقة العربية محاولات مختلفة لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وقد اختلفت الأساليب والسياقات والنتائج، كما تباينت القراءات السياسية لهذه التجارب، إلا أنّ الرسالة العامة تكاد تكون واحدة: لا تنمية حقيقية من دون مؤسسات، ولا مؤسسات قوية من دون مساءلة، ولا مساءلة فعلية إذا بقيت الحصانات السياسية والمالية أقوى من القانون.
وفي المملكة العربية السعودية، شكّل مشروع التحول الذي يقوده ولي العهد "الأمير محمد بن سلمان"، محطة مفصلية في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومراكز النفوذ، ولم يقتصر الأمر على إطلاق رؤية اقتصادية طموحة ومشروعات تنموية كبرى، بل رافقه تأكيد واضح على أن الدولة هي المرجعية العليا، وأنّ المال العام ليس بمنأى عن المساءلة. وقد رأى مؤيدون أنً هذه الخطوات عززت قدرة الدولة على فرض سلطتها وترسيخ الانضباط المؤسسي، فيما دعا آخرون إلى تقييمها في ضوء الأطر القانونية والمؤسسية. لكن ما يصعب إنكاره هو أنّ صورة الدولة السعودية دخلت مرحلة جديدة عنوانها تعزيز مركزية القرار وإعادة رسم حدود العلاقة بين السلطة والنفوذ.
أما العراق، فتبدو معركته أكثر تعقيدًا، لأنّ الفساد لم ينشأ في بيئة مستقرة، بل في ظل حروب وصراعات وانقسامات أضعفت مؤسسات الدولة وأتاحت لشبكات المصالح التغلغل في مفاصلها، لذلك، فإنّ أي خطوة نحو المحاسبة تكتسب أهمية تتجاوز الشخص المعني بها، لأنها تمثل اختبارًا لقدرة الدولة على استعادة دورها الطبيعي. ولا يزال الطريق طويلًا، لكن انتقال الحديث عن الفساد من دائرة المجاملة السياسية إلى دائرة الملاحقة القضائية يعكس رغبة في إعادة الاعتبار لفكرة الدولة، حتى وإن بقي نجاح هذه المحاولات مرهونًا باستمرار الإصلاح وتعزيز استقلال المؤسسات.
ويبقى لبنان الحالة الأكثر إيلامًا. .. فالمشكلة فيه ليست نقصًا في القوانين، ولا غيابًا للمؤسسات الرقابية، بل في عجز الدولة عن تطبيق ما تملكه من أدوات على الجميع بالقدر نفسه، فالمحاصصة التي قُدمت يومًا بوصفها وسيلة لإدارة التعددية، تحولت مع مرور الزمن، في كثير من الأحيان، إلى مظلة تحتمي بها شبكات المصالح، حتى أصبح الفساد جزءًا من الأزمة البنيوية التي تعيق قيام الدولة الحديثة.
لقد تعب اللبنانيون من الوعود، واستهلكوا من خطابات الإصلاح ما يكفي لأجيال، وما ينتظرونه اليوم ليس شعارات جديدة، بل دولة تتصرف كدولة: قضاءً مستقلًا، وإدارةً مسؤولة، ورقابةً فعالة، ومحاسبةً لا تستثني أحدًا، ينتظرون أن يصبح القضاء المرجع الأخير، لا الوسيط الأخير، وأن يشعر المسؤول قبل المواطن بأنّ المنصب العام تكليف لا امتياز، وأنّ المال العام أمانة لا غنيمة.
فهيبة الدولة لا تُقاس بعدد القوانين ولا بكثرة المؤتمرات الصحفية، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون بعدالة وشفافية، وتُقاس باللحظة التي يدرك فيها كلّ مسؤول أنّ القانون سيصل إليه إذا أخطأ، تمامًا كما يصل إلى أي مواطن عادي، عندها فقط يتحول القانون من نصوص جامدة إلى سلطة حية يشعر بها الجميع.
لقد أثبت التاريخ أنّ الدول التي نجحت في بناء اقتصادات قوية لم تبدأ بالأسواق، بل بالمؤسسات، ولم تبدأ بالمشروعات العملاقة، بل ببناء الثقة بين المواطن والدولة، فالثقة هي رأس المال الأول لأي نهضة، ولا يمكن أن تنشأ في بيئة يرى فيها الناس أن النفوذ يسبق العدالة، وأن الولاءات تتقدم على الكفاءة.
وبالتالي، لا يحتاج لبنان إلى استنساخ تجربة هذا البلد أو ذاك، فلكلّ دولة ظروفها السياسية والدستورية والاجتماعية، لكنه يحتاج إلى استيعاب حقيقة أثبتتها تجارب الدول الناجحة: لا إصلاح حقيقيًا من دون قضاء مستقل، ولا استثمار من دون أمن قانوني، ولا اقتصادًا منتجًا في ظل فساد يشعر أصحابه بأنهم فوق المساءلة.
إنّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: من سيكون المسؤول التالي الذي ستُفتح ملفاته؟ بل: هل دخل لبنان فعلًا مرحلة يصبح فيها القانون هو الحاكم الفعلي للعلاقة بين الدولة والمواطن؟ وهل نحن أمام تحوّل في فلسفة الحكم، أم مجرد إجراءات ظرفية سرعان ما تذوب تحت ضغط التوازنات السياسية؟
فبناء الدولة لا يبدأ باعتقال مسؤول، بل يبدأ يوم يصبح اعتقال المسؤول الفاسد أمرًا طبيعيًا لا استثنائيًا، ويوم تتحول المحاسبة إلى قاعدة لا إلى حدث، ويوم تدرك الدولة أن تطبيق القانون على الجميع هو مصدر قوتها، لا موضع ضعفها. عندها فقط يمكن القول إن قطار استعادة الدولة قد انطلق فعلًا.
ويبقى السؤال الذي ينتظر اللبنانيون إجابته، لا بالكلمات بل بالأفعال: هل تلتحق بيروت بهذا القطار، أم تبقى واقفة على الرصيف، تراقب الآخرين وهم يمضون نحو دولة يحكمها القانون، لا موازين القوى؟












07/07/2026 - 10:40 AM





Comments