بين ضجيج المنصات... ومسؤولية الكلمة

07/07/2026 - 12:34 PM

A

 

 

رشيد ج. مينا

كثيرون على وسائل التواصل الاجتماعي يوجّهون الانتقاد لمن يبذلون وقتهم وجهدهم في الكتابة الفكرية والثقافية، متسائلين: ما جدوى هذا العناء إذا كان الاهتمام والإعجاب يذهب في الغالب إلى المحتوى الأكثر تفاهة، والأبعد عن القيم والمنطق والعلم؟ ويذهب بعضهم إلى اعتبار الكتابة الجادة معركة خاسرة في زمن أصبحت فيه الشهرة تُقاس بعدد المشاهدات، لا بقيمة الفكرة.

قد يبدو هذا التوصيف منسجمًا مع جزء من الواقع، لكنه لا يعبر عن المشهد كاملاً. فمن الخطأ أن نقيس أثر الكلمة بعدد الإعجابات أو المشاركات، أو أن نختزل وعي المجتمعات بما تفرضه خوارزميات المنصات الرقمية. فما يظهر أمامنا ليس دائمًا انعكاسًا طبيعيًا لاهتمامات الناس، بل كثيرًا ما يكون نتيجة سياسات ترويج مدروسة، واستثمارات مالية، وآليات توجيه تستهدف جذب الانتباه وصناعة الرأي العام، حتى أصبح الانتشار في كثير من الأحيان هدفًا بحد ذاته، بصرف النظر عن قيمة المحتوى أو صدقه.

ولا ينبغي أن نغفل أن جانبًا من المحتويات الرائجة يقوم على الإثارة والسطحية، وأن بعضها يُضخَّم عمدًا لخدمة مصالح تجارية أو سياسية أو أيديولوجية، فيتحول الإنسان تدريجيًا من صاحب فكر ورسالة إلى مستهلك دائم، ومن مواطن مسؤول إلى رقم في معادلات السوق والنفوذ. وعندما يصبح معيار النجاح هو حجم الانتشار لا قيمة المحتوى، فإن منظومة القيم والمعرفة تكون أول ما يدفع الثمن.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار ما أحدثته وسائل التواصل والمنصات الرقمية من تطور هائل في تقريب المعرفة، وسرعة تداول المعلومات، ونقل الإنجازات العلمية والتقنية، وإتاحة فرص غير مسبوقة للتعلم والتواصل وتبادل الخبرات في مختلف مجالات الحياة. فهي من أهم أدوات العصر، وأسهمت في فتح آفاق واسعة أمام الإنسان، حتى أصبح الوصول إلى المعلومة أيسر من أي وقت مضى.

غير أن هذه المزايا نفسها تجعل من الضروري التعامل معها بوعي وتمحيص، لأن ما يُنشر فيها ليس كله علمًا موثقًا، ولا حقيقة ثابتة. فكثير من المعلومات يفتقر إلى الدقة، أو يتضمن تحريفًا وتشويهًا وانتقاءً يخدم أهدافًا محددة. ومن هنا تصبح مسؤولية المتلقي في التحقق والتدقيق جزءًا لا يتجزأ من حماية وعيه، لأن أخطر أنواع التضليل هو ذلك الذي يتخفى في ثوب الحقيقة.

ولا يتوقف الأمر عند المعلومات المضللة، بل يمتد إلى ظواهر أخرى لا تقل خطورة، من أبرزها صناعة التفاعل الوهمي عبر التعليقات والإعجابات والمشاركات المدفوعة، التي تُستخدم لإيهام الناس بأن فكرة أو شخصًا أو منتجًا يحظى بتأييد واسع، بينما يكون جزء من هذا التأييد مصطنعًا أو ممولًا. كما بات بعض الشباب يُستقطب إلى هذا النوع من النشاط باعتباره وسيلة سهلة لتحقيق مكاسب مادية سريعة، دون إدراك لما قد يتركه ذلك من آثار على منظومة القيم والسلوك، حين تصبح الكلمة سلعة، والرأي قابلًا للبيع والشراء، ويتراجع الضمير أمام المنفعة الآنية.

ولعل الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات لا تؤثر في الرأي العام فحسب، بل تعيد، بصورة تدريجية، تشكيل معايير النجاح والقيمة في المجتمع، ولا سيما لدى الأجيال الشابة. فبدل أن يُقاس الإنسان بما يملكه من علم، وما يقدمه من فكر، وما يتحلى به من صدق وأمانة وإبداع، أصبح كثيرون يقيسون النجاح بعدد المتابعين، والإعجابات، والمشاهدات، وسرعة الانتشار، حتى وإن كان المحتوى فارغًا أو مضللًا أو قائمًا على الإثارة. وهكذا لم تعد المنصات في كثير من الأحيان مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت تصوغ الأذواق، وتؤثر في الأولويات، وتعيد تعريف النجاح، حتى غدا صاحب الفكر الجاد أقل حضورًا من صانع الضجيج، لا لأن الأول أقل قيمة، بل لأن ميزان التقييم نفسه قد اختل. وحين تختل المعايير، يصبح من السهل التأثير في العقول، ويغدو الرأي العام أكثر قابلية للتوجيه، لأن الأرقام تحل محل الحقيقة، والشهرة تحل محل القيمة.

من هنا، فإن الإصرار على الكتابة بعقل حر، وفكر واعٍ، وكلمة مسؤولة، ليس ترفًا ثقافيًا ولا معركة خاسرة، بل هو فعل صمود ومواجهة، وتحدٍ لكل أشكال الإحباط واليأس، ورفض للتطبيع مع كل ما ينتقص من إنسانية الإنسان وحقه في الحرية والكرامة. فالكتابة ليست مجرد نقل للأفكار، بل مشاركة في بناء الوعي، وحماية للهوية، ودفاع عن حق الإنسان في أن يفكر بإرادته، وأن يختار مستقبله بنفسه، لا أن يُصاغ وعيه وفق ما يُفرض عليه.

وانطلاقًا من كل ذلك، تتعاظم مسؤولية المثقفين وأهل الفكر والباحثين ودعاة الحرية والتغيير. فمعركتهم ليست من أجل منافسة المحتوى السطحي، ولا من أجل مراكمة أرقام الإعجاب، بل من أجل حماية الإنسان من كل ما يسلبه وعيه وحريته وكرامته. ولا ينبغي أن يكون لليأس أو الإحباط أو الاستسلام للواقع مكان في هذه المواجهة، لأن التخلي عن الكلمة الحرة يعني ترك الساحة لمن يريد تشكيل العقول وفق مصالحه وأجنداته.

إن مقاومة هذا الواقع لا تكون برفض التكنولوجيا أو الانغلاق عن العصر، وإنما بحسن استخدامها، وبإنتاج معرفة رصينة، وفكر نقدي، وحوار مسؤول، يعيد للإنسان ثقته بعقله وقدرته على التمييز والاختيار. فكل فكرة صادقة تُكتب، وكل وعي يُبنى، وكل شاب يدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد متابعيه، بل بما يحمله من علم وخلق وإنتاج وعطاء، هو إسهام حقيقي في حماية المجتمع واستعادة المعايير التي تحفظ كرامة الإنسان.

فالكتابة المسؤولة ليست دفاعًا عن مهنة أو هواية، بل دفاع عن الإنسان نفسه؛ عن حريته وكرامته وحقه في أن يعيش واعيًا، متصلًا بهويته وتاريخه، مدركًا لحاضره، وقادرًا على صناعة مستقبل يختاره بإرادته، لا مستقبل يُفرض عليه أو يُصاغ بعيدًا عن وعيه ومصلحته.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment