ترامب يعيد خلط الأوراق داخل حلف الناتو… أنقرة تتحوّل إلى غرفة عمليات دولية

07/07/2026 - 11:47 AM

Arab American Target

 

بيروت تايمز - متابعة جورج ديب

في لحظة سياسية مشحونة، وفي ظلّ توازنات دولية تتبدّل بسرعة غير مسبوقة، انطلقت في العاصمة التركية أنقرة أعمال القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي، وسط حضور كثيف لقادة الدول الأعضاء ووزراء الدفاع والخارجية، في اجتماع يمتدّ على يومين داخل المجمع الرئاسي التركي الذي تحوّل إلى ما يشبه غرفة عمليات دولية مفتوحة على كل الاحتمالات. لكن ما لفت الأنظار منذ اللحظة الأولى لم يكن فقط حجم الملفات المطروحة، بل دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المشهد بطريقة صدامية أعادت خلط الأوراق داخل الحلف، ودفعت القمة إلى مسار أكثر حدّة مما كان متوقعاً.

ترامب يدخل القمة بثقل سياسي غير مسبوق

منذ وصوله إلى أنقرة، بدا واضحاً أن ترامب لا ينوي التعامل مع القمة بوصفها اجتماعاً بروتوكولياً، بل كمنصة لإعادة صياغة قواعد اللعبة داخل الناتو. فالرئيس الأميركي الذي لطالما انتقد الحلف في السنوات الماضية، عاد اليوم ليطرح رؤيته بحدة أكبر، مستنداً إلى قناعة مفادها أن الولايات المتحدة تتحمّل العبء الأكبر في الدفاع عن أوروبا، وأن الوقت قد حان لإعادة توزيع الأعباء المالية والعسكرية بشكل جذري.

مصادر دبلوماسية في أنقرة أكدت أن ترامب دخل الاجتماعات الأولية بنبرة حاسمة، مطالباً الدول الأعضاء برفع إنفاقها الدفاعي إلى مستويات "تتناسب مع حجم التهديدات"، محذّراً من أن استمرار الوضع الحالي "غير قابل للاستمرار". هذه المقاربة أثارت قلقاً لدى عدد من الدول الأوروبية التي تخشى أن يؤدي الضغط الأميركي إلى تغييرات بنيوية في الحلف، وربما إلى اهتزاز تماسكه في لحظة حرجة.

قمة في قلب العاصفة الدولية

القمة الـ36 تأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتقاطع فيها أربعة ملفات مركزية:

- الحرب في أوكرانيا: التي دخلت مرحلة استنزاف طويلة، وسط حاجة كييف إلى دعم عسكري ولوجستي أكبر لضمان صمودها في مواجهة روسيا.
- التوترات مع موسكو: حيث يزداد القلق الأوروبي من توسّع دائرة المواجهة، خصوصاً بعد التصعيد الأخير على الحدود الشرقية.
- تداعيات الحرب مع إيران: التي فتحت الباب أمام احتمالات توسّع الصراع في الشرق الأوسط، ما يفرض على الحلف إعادة تقييم أولوياته الدفاعية.
- الضغط الأميركي لرفع الإنفاق الدفاعي: وهو الملف الأكثر حساسية، إذ يضع الدول الأوروبية أمام خيارات صعبة بين الالتزام المالي وبين الحفاظ على توازناتها الداخلية.

هذه الملفات مجتمعة جعلت القمة تبدو وكأنها اجتماع مصيري، قد يحدّد شكل الحلف في السنوات المقبلة، وربما يعيد رسم خريطة التحالفات الدولية.

تركيا في موقع اللاعب المحوري

استضافة أنقرة للقمة ليست مجرد خطوة بروتوكولية، بل تعكس رغبة تركية واضحة في تثبيت موقعها داخل الحلف كلاعب محوري، خصوصاً بعد سنوات من التوترات مع عدد من الدول الأوروبية. فتركيا تدرك أن موقعها الجغرافي يجعلها بوابة الشرق الأوسط، وأن دورها في ملفات الطاقة والحدود الإقليمية يمنحها أوراق قوة إضافية.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استقبل ترامب بحفاوة لافتة، في مشهد حمل رسائل سياسية واضحة، أبرزها رغبة أنقرة في تعزيز التنسيق مع واشنطن قبل القمة، وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية. مصادر تركية أشارت إلى أن أردوغان يسعى لاستثمار اللحظة لإعادة تأكيد دور بلاده داخل الحلف، خصوصاً في ظلّ التوترات الإقليمية التي تجعل تركيا لاعباً لا يمكن تجاوزه.

أوروبا بين القلق والحذر

الدول الأوروبية دخلت القمة بحذر شديد، إذ تخشى أن يؤدي الضغط الأميركي إلى فرض التزامات مالية ضخمة قد لا تكون قادرة على تحملها في ظلّ الأزمات الاقتصادية المتلاحقة. كما تخشى أن يؤدي أي تغيير في بنية الحلف إلى إضعاف قدرتها على مواجهة روسيا، أو إلى خلق فجوات استراتيجية قد تستغلها موسكو لتعزيز نفوذها في شرق أوروبا.

مصادر أوروبية تحدثت عن "قلق حقيقي" من أن يؤدي نهج ترامب إلى انقسامات داخلية، خصوصاً إذا أصرّ على ربط الالتزامات الدفاعية بمواقف سياسية أو اقتصادية. بعض الدول ترى أن الحلف يجب أن يبقى إطاراً دفاعياً مشتركاً بعيداً عن الضغوط السياسية، فيما ترى دول أخرى أن الوقت قد حان لإعادة تقييم دور الناتو في ظلّ المتغيرات الدولية.

أوكرانيا في قلب النقاش

الملف الأوكراني كان حاضراً بقوة في الجلسات الأولى، إذ شدّد عدد من القادة على ضرورة تعزيز الدعم العسكري لكييف، خصوصاً بعد التصعيد الأخير على الجبهة الشرقية. لكن هذا الملف كشف أيضاً عن تباين في المواقف، إذ ترى بعض الدول أن الدعم يجب أن يكون "محسوباً" لتجنب مواجهة مباشرة مع روسيا، فيما ترى دول أخرى أن أي تراجع في الدعم سيُفسَّر على أنه ضعف قد تستغله موسكو لتوسيع نفوذها.

ترامب، وفق مصادر دبلوماسية، شدّد على ضرورة "تحمّل أوروبا مسؤولياتها" في الملف الأوكراني، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تستمر في تقديم الدعم وحدها. هذا الموقف أثار نقاشات حادة داخل القمة، خصوصاً أن بعض الدول الأوروبية ترى أن واشنطن تستخدم الملف الأوكراني للضغط في ملفات أخرى.

إيران... الملف الأكثر حساسية

التوترات مع إيران كانت أيضاً محوراً أساسياً في النقاشات، إذ يخشى الحلف من توسّع دائرة المواجهة في الشرق الأوسط، ما قد يفرض على الناتو إعادة توزيع قواته وموارده. بعض الدول ترى أن الحلف يجب أن يبقى بعيداً عن أي مواجهة مباشرة مع إيران، فيما ترى دول أخرى أن التهديد الإيراني يتطلب موقفاً أكثر صرامة.

تركيا، التي تربطها علاقات معقدة مع إيران، حاولت لعب دور الوسيط في النقاشات، مؤكدة أن أي تصعيد في المنطقة سيؤثر مباشرة على أمنها القومي. أما الولايات المتحدة، فشدّدت على ضرورة "ردع إيران" ومنعها من توسيع نفوذها في المنطقة.

هل يتغيّر شكل الحلف؟

السؤال الذي يطرحه المراقبون اليوم هو: هل ستخرج القمة بقرارات تعيد تشكيل الحلف؟
الإجابة ليست سهلة، لكن المؤشرات الأولية تشير إلى أن القمة قد تشهد:

- إعادة تقييم شاملة للإنفاق الدفاعي.
- تعزيز التنسيق في الملف الأوكراني.
- وضع آليات جديدة للتعامل مع التهديدات الإيرانية.
- إعادة توزيع الأعباء العسكرية بين الدول الأعضاء.
- وربما إطلاق مسار إصلاحي طويل يعيد صياغة دور الحلف في العالم.

لكن في المقابل، هناك مخاوف من أن تؤدي الخلافات الداخلية إلى إضعاف الحلف، خصوصاً إذا لم يتم التوصل إلى توافقات واضحة حول الملفات الأساسية.

ترامب... اللاعب الأكثر تأثيراً

لا يمكن تجاهل أن ترامب هو اللاعب الأكثر تأثيراً في القمة، إذ دخلها بنبرة حادة ورؤية واضحة، ما جعل القادة الأوروبيين يدركون أن القمة لن تكون سهلة. فالرئيس الأميركي يريد تغيير قواعد اللعبة، ويرى أن الوقت قد حان لإعادة بناء الحلف على أسس جديدة، فيما ترى أوروبا أن أي تغيير يجب أن يكون تدريجياً ومتوازناً.

محطة مفصلية قد تحدّد مستقبل الحلف في السنوات المقبلة

القمة الـ36 للناتو ليست مجرد اجتماع دوري، بل محطة مفصلية قد تحدّد مستقبل الحلف في السنوات المقبلة. فالعالم يقف اليوم أمام تحولات كبرى، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات مع إيران، مروراً بالصراع مع روسيا والضغوط الاقتصادية العالمية. وفي قلب هذه التحولات، يقف الناتو أمام سؤال وجودي: كيف يحافظ على تماسكه وقدرته على مواجهة التحديات؟

الرئيس ترامب أعاد خلط الأوراق، وتركيا تحاول تثبيت موقعها، وأوروبا تبحث عن توازن، فيما العالم يراقب ما إذا كانت القمة ستخرج بقرارات تعيد رسم خريطة التحالفات الدولية، أم ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوترات داخل الحلف نفسه.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment