أنماط تفكير إدارة القوى المستقبلية

11/13/2025 - 02:51 AM

Arab American Target

 

 

د. خالد زغريت

 

يحكى أنه كان لقائد القوات الفرنسية في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) سائق خاص لسيارته يدعى: بيير، وكان رفاق هذا السائق دائماً يحاصرونه حين يلتقونه، ويسألونه متى تنتهي هذه الحرب يا بيير؟؟؟ إنك بحكم عملك مع القائد تعرف الحقيقة ؟؟؟؟ وكان بيير يحاول دائماً ألا يتجرّد من هذه المزية بعين رفاقه، فيرد عليهم: حين أسمع شيئاً من الماريشال سأطلعكم عليه. وجاء إليهم في أحد الأيام، وقال لهم: " لقد تكلم الماريشال اليوم". فتصايحوا بلهفة: أخبرنا... ماذا قال؟؟؟ فأجابهم: قال الماريشال، أنت يا بيير ماذا ترى؟؟؟ متى ستنتهي هذه الحرب ؟؟؟؟ انفض الجميع من حوله واجمين..

 لهذه القصة من العبر التي لا تحصى، فليس أهمها أن صنّاع الأزمات ليسوا ممن يعرفون متى ستنتهي، وليس من يشعل الحرب هو من يطفئها...

ثمة عقول تنحصر مهاراتها في خلق الأزمات، فتكون على قدر من العبقرية والذكاء والنجاح، لكنها على قدر فظيع من العجز عن حل الأزمات...

 تلك هي ذهنية أغلب المفكرين العرب، تملك فيضًا غامرًا من التأويل و التحليل و التفسير والتشخيص للأزمات العربية، لكنهم عجزة عن إبداع حلول لها، فهل يا تُرى يعود هذا العجز إلى طبيعة ذهنية الفكر العربي ؟؟؟ أم يرجع إلى بنية التفكير ؟؟؟؟ أم لأن المفكرين ليسوا مخولين بإبداع الحلول. الحقيقة المقنعة التي يراوغها المفكرون هي أن أصحاب القرار، لا يعولون على الفكر، بل يعولون على إدارة الأزمات سياسياً، فلم يتخذ العرب مفكرًا واحدًا قدوة يسيرون على هدى فكره، مثل ما كان يحدث في الحركات العالمية العظمى، حيث سارت الثورة الفرنسية على مصباح روسو، والشيوعية على نبراس فكر ماركس..

 و المفكر العربي مازال رهين نقد الفكر التراثي، يتقوقع حوله، ولا ينتقل إلى تفكير جديد يستثمر المناهج الحديثة والنظريات المعرفية الملائمة للعصر، فالعصر الحديث لم يعد يقبل التفكير النقدي التشخيصي، ومناهج التفكير التقليدية، أصبح يعول على التفكير الإنتاجي المبدع، فالقوة الحضارية المركزية في عصرنا، قوة التفكير الإنتاجي، وليس قوة الهوية القومية، أو قوة الرأسمال الاقتصادي، لأن العصر عصر انفجار معرفي ومهاري، وإنتاجي، والقوة الاقتصادية التقليدية لرأسمال، لم تعد المحرك للسوق وحدها، بل التفكير الإبداعي في ابتكار قوى أخرى لرأسمال، تلك الثقافة التقليدية لقوة رأسمال، أصبحت نمطاً تجارياً رجراجاً، لكن التفكير في إبداع يتحكم بسوق العالم هو القوة الحقيقية، لأن وظائف رأس المال تبقى محدودة، أما إبداع التقانات المطورة هي مفتوحة تضاعف رأس المال، وأبسط الأمثلة هي توظيف ابتكارات التكنولوجيا، والتواصل الاجتماعي، ويدل على ذلك استعراض أغنى شركات العالم 2021-2022 بحسب القيمة السوقية والأرباح السنوية:

1 - شركة أرامكو بقيمة 2.002 تريليون دولار.

2 - شركة مايكروسوفت بقيمة 1.624 تريليون دولار.

3 - شركة أبل بقيمة 1.600 تريليون دولار.

4 - شركة أمازون بقيمة 1.252 تريليون دولار.

- 5 شركة ألفابت (جوجل) بقيمة 919 مليار دولار.

6 - شركة فيس بوك 584 مليار دولار.

 - 7شركة علي بابا الصينية 545 مليار دولار.

 - 8 شركة تنسينت Tencent  510 مليار دولار.

9 - شركة Berkshire Hathaway Inc المملوكة من لوران بافيت بقيمة 455 مليار دولار.

10 - شركة جونسون آند جونسون بقيمة 395 مليار دولار.

وتعد شركة آبل عملاق التكنولوجيا، أقوى براند تجارية في العالم، فشعار شركة آبل على أي منتج يعني أن هذا المنتج يتمتع بكفاءة عالية وجودة ممتازة. لكن تراجعت قليلًا بسبب شركة آرامكو وأيضًا بسبب تراجع نسبة المبيعات عن بعض المنتجات التي طرحتها آبل مؤخرًا،

وتحتل آبل المرتبة الأولى في قائمة أكبر شركات العالم قيمة في السوق، وشركة آبل لا تقوم بإنتاج الهواتف فقط، بل تقدم الحواسيب المحمولة (Mac Book) والأجهزة اللوحية (IPad) وأجهزة سطح المكتب (Mac). هذا بخلاف تطوير نظام التشغيل (Mac) الخاص بالحواسيب ونظام (IOS) الخاص بالهواتف، وغيرها من المشاريع والمنتجات التي تضمن لآبل السيطرة على السوق. وكذلك الأمر شركة مايكروسوفت الأمريكية (القيمة السوقية 1.274 ترليون دولار).

ان نظرة متفحصة لهذه الشركات تدل على تجاوز مفهوم الهوية القومية، والنمط التقليدي في التفكير الربحي، وانتفاء الالتزام بالقيم الأخلاقية والإنسانية التقليد، باستثناء منظومة قيم مهارية، وأخلاقية في كفاءة المنتج، في السوق وقيم الجودة المنافسة.

 يدل هذا الاستعراض لحاكمية الشركات العملاقة في فرض نمط تفكير وقيم على تحولات عقلية هائلة، مازال العرب في أحسن الأحوال يقلدون مهاراتها، ولا يصلون إلى تفكير منتج منافس يقوم على معايير وأسس تفكير العصر.

العرب بحاجة إلى بنية تفكير جديد، يتجاوز مكوناته التراثية، والتقليدية حتى يلحقوا بركب الحضارة المستدامة التطوير والتغيير، تفكير مستمر التغيير والتطوير، لا أن يستسلموا لتفكير منجز، ولو كان مواكب للحضارة الراهنة، فقد انتهى زمن التفكير المنجز، وبدأ التفكير مستدام التغيير...

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment