العم سام - قصة قصيرة .......

11/12/2025 - 07:42 AM

Bt adv

 

 

بقلم الكاتب : حمدى عفت

 

كان الليل يطبق على واشنطن بردائه الأبيض، والثلج يتساقط في صمتٍ ثقيلٍ كأنّ السماء تتطهّر من خطايا الأرض.

في كوخٍ صغيرٍ ملحقٍ بالبيت الأبيض، جلس العم سام أمام المدفأة، يمدّ يديه المرتجفتين نحو اللهب. كبر الرجل، ووهنت عزيمته، وصار لا يحتمل قسوة الشتاء كما كان في أيام القوة.

دعا إلى كوخه وزراءه ومستشاريه: وزير الدفاع، وزير الخارجية، رئيس المخابرات، وممثل الأغلبية في الكونغرس. دخلوا عليه واحدًا تلو الآخر، والقلق يلوّن وجوههم، والدفء الوحيد في المكان قادم من نار المدفأة... لا من القلوب.

تجوّل العم سام بين المقاعد بخطواتٍ متوترة، ثم قال بصوتٍ خافتٍ لكنه مشحون بالتعب والسلطة:

— أيها السادة، اجتمعت بكم الليلة كما نفعل حين يكون الأمر خطيرًا... يشغلني منذ زمن سؤال لم أجد له جوابًا: لماذا يكرهنا المسلمون؟

تبادل الوزراء النظرات.

قال رئيس المخابرات وهو يهز كتفيه بحذر:

— سيدي، الكراهية لأمريكا ظاهرة عالمية، لا تقتصر على المسلمين وحدهم.

تنهد العم سام بحدةٍ وقال:

— أعلم! لكني لا أريد أن أفتح كل الملفات اليوم. فلنقصر حديثنا على المسلمين فقط.

رفع وزير الدفاع كأس الويسكي إلى شفتيه وقال ببطء:

— ربما السبب حروبنا في أفغانستان والعراق؟

أجاب العم سام بتهكم:

— ألهذا السبب؟ ألم يسقط لنا برجان في نيويورك؟ نحن من دُفعنا للردّ، لا العكس.

قال رئيس المخابرات وهو يغمز بعينه اليسرى:

— نعم، لكننا يا سيدي لم نقدم الجناة إلى العدالة، وذهبنا إلى العراق بحثًا عن أسلحة لم نجدها.

لوّح العم سام بيده في ضجر:

— لا يهم، كان علينا الذهاب، بأسلحة أو بدونها. لا نحتاج مبررًا حين نقرر.

تدخل وزير الخارجية:

— لكننا ذهبنا دون تفويض من مجلس الأمن يا سيدي.

ضحك العم سام وقال بازدراء:

— ومتى كنا نطلب الإذن من أحد؟ نحن من يمنح الشرعية، لا من يستجديها.

قال ممثل الأغلبية في الكونغرس بتردد:

— ربما يكرهوننا لأننا ننفذ ما يريده اللوبي الإسرائيلي حرفيًا.

استشاط العم سام غضبًا:

— يا لك من ناكرٍ للجميل! لولاهم لما جلست على كرسيك في الكونغرس!

أجابه الرجل بهدوءٍ متهكم:

— لكننا نعطيهم السلاح والأموال والدعم، ونغضّ الطرف عن جرائمهم... وهذا يثير سخط الشعوب.

قهقه العم سام وقال ساخرًا:

— مسح الكوخ أفضل من مسح الأحذية يا بنيّ.

تدخل وزير الدفاع قائلاً:

— ربما لأننا نبيع لهم السلاح ليقتلوا العرب.

رد العم سام ببرودٍ مدروس:

— الحرب تجارة، ونحن تجارها. كم مات منهم؟ آلاف؟ وكم قبضنا؟ مليارات. إنها معادلة عادلة جدًا من وجهة نظرنا.

تدخل رئيس المخابرات بقلقٍ:

— لكن يا سيدي، صور التعذيب في أبو غريب وجوانتنامو لم تُمحَ من الذاكرة بعد، وهي تُغذّي الكراهية ضدنا.

أجابه العم سام بازدراء:

— وهل نحن أول من عذّب؟ إنهم أيضًا ينتهكون حقوق الإنسان، لكن بلا كاميرات! نحن فقط من ندفع ثمن الشفافية.

قال وزير الخارجية مترددًا:

— وربما يا سيدي بسبب موقفنا من ثورات الربيع العربي... دعمنا الأنظمة ثم دعمنا الثوار ثم تركنا الجميع حين انتهت اللعبة.

ابتسم العم سام وقال ببرودٍ قاتل:

— ومن قال إننا نخون؟ نحن فقط نبدّل اللاعبين حين تنتهي أدوارهم.

قال رئيس المخابرات:

— لكنهم يحمّلوننا مسؤولية الفوضى والحروب بين بلدانهم.

ضحك العم سام وقال بثقةٍ عمياء:

— نحن لم نشعل النار، فقط بعناهم الوقود.

قال ممثل الأغلبية بهدوءٍ خائف:

— وربما لأنهم اكتشفوا أننا من دفع العراق لغزو الكويت، لندخل المنطقة بأنفسنا.

أجاب العم سام مبتسمًا:

— كان ذلك ضروريًا. العراق أنهى مهمته مع إيران، وحان وقت أن ننهيه نحن.

ساد الصمت.

ألقى العم سام نظرةً عليهم واحدًا واحدًا، ثم قال بنبرةٍ حادة:

— أهذا كل ما عندكم؟ أتريدون أن أصدق أن كل هذا لا يفسر كراهيتهم؟! إن لم تأتوني بالجواب الحقيقي، فأنتم مفصولون جميعًا.

تلعثم ممثل الأغلبية وقال:

— ربما هناك أسباب أعمق يا سيدي، نحتاج إلى وقت لفهمها...

لوّح العم سام بيده في ضجرٍ وقال:

— كفى! سأعرف السبب بطريقتي الخاصة.

نظروا إليه في دهشة، فابتسم ابتسامة غامضة وقال:

— سأذهب إلى العرافة الخاصة بي... هي من ستخبرني بالحقيقة.

ساد صمت ثقيل. انكمش الوزراء في مقاعدهم، وكأن النار في المدفأة خبت فجأة.

في الخارج، كان الثلج يواصل سقوطه الهادئ، يكسو البيت الأبيض بغطاءٍ ناصعٍ، كأنه كفنٌ من الضوء.

وقف العم سام أمام النافذة، يحدّق في العاصفة ويهمس لنفسه:

"ربما لا يكرهنا أحد... نحن فقط نخاف أن نرى في عيونهم ما نرفض أن نراه في أنفسنا."

ثم أدار ظهره، ومضى بخطواتٍ بطيئةٍ نحو غرفته، فيما بقي الوزراء صامتين، يتبادلون النظرات.

لم يكن أحدهم يجرؤ أن يقول إن العرافة الوحيدة التي يستطيع العم سام أن يزورها... هي ضميره.

 

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment