معتز فخرالدين *
١. كامب ديفيد: بداية الفراغ العربي
منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد (1978)، دخل النظام العربي مرحلة انكسار عميقة. خرجت مصر – بثقلها التاريخي والجغرافي والعسكري – من معادلة الصراع المباشر مع إسرائيل، وهو ما شكّل أول شقّ في جدار النظام العربي الرسمي. تحوّلت المواجهة الكبرى من مشروع قومي عربي جامع إلى صراع فلسطيني–إسرائيلي تُركت فيه منظمة التحرير شبه وحيدة في الميدان.
هذا الانسحاب المبكر فتح الباب أمام إسرائيل لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، فاجتاحت لبنان عام 1982 محاولةً سحق منظمة التحرير وابتلاع المقاومة الفلسطينية من بيئتها الطبيعية. ومع كل محطة لاحقة، كان الفراغ العربي يتسع، فيما تقدّمت القوى الإقليمية غير العربية، مثل إيران وتركيا، لملء هذا الفراغ على حساب الهوية العربية الجامعة.
٢. اجتياح لبنان 1982: انكشاف الميدان العربي
كشف الاجتياح الإسرائيلي للبنان محدودية الفعل العربي الموحد، وبدأت إيران تستثمر هذا الفراغ لتوسيع نفوذها الإقليمي عبر وكلاء محليين في لبنان وسوريا واليمن، في نموذجٍ سيتكرّر لاحقًا على امتداد الجغرافيا العربية.
٣. مدريد وأوسلو: التسوية الناقصة
أعادت حرب الخليج الثانية (1991) ترتيب الأوراق، فأطلقت عملية السلام بقيادة الولايات المتحدة عبر مؤتمر مدريد الذي أنشأ مسارات تفاوضية متعددة:
- مسار مباشر بين إسرائيل وكلٍّ من الأردن، سوريا، لبنان، والوفد الفلسطيني.
- مسار متعدد الأطراف تناول قضايا الأمن، اللاجئين، والاقتصاد.
ورغم الطموحات، أظهرت النتائج هشاشة الموقف العربي واستمرار التفكك بين الدول. أما اتفاق أوسلو (1993) فأوجد سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات، لكنه جمّد القضايا الجوهرية: القدس، الحدود، اللاجئون، والمستوطنات. تحوّل “حلّ الدولتين” إلى إطارٍ مرجعي نظري، في ظل عجزٍ دوليٍّ وإسرائيلي عن تنفيذه.
٤. حلّ الدولتين والمبادرات العربية
يقوم هذا الطرح على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، عاصمتها القدس الشرقية.
وقد شكّل هذا المبدأ قاعدةً للمبادرات المتعاقبة من قمة القاهرة (1996) إلى قمة بيروت (2002) التي أطلقت المبادرة العربية للسلام، وصولًا إلى المبادرة الفرنسية–السعودية الحديثة.
لكنّ التطبيق تعثّر بفعل التعنت الإسرائيلي، والانقسام الفلسطيني، وغياب الإرادة الدولية الملزمة، ما أبقى “حلّ الدولتين” شعارًا مؤجلًا لا مشروعًا واقعيًا.
٥. وادي عربة واغتيال رابين: توقف المسار السوري
دخلت سورية مفاوضات السلام ضمن معادلة “الأرض مقابل السلام”، مركّزة على استعادة الجولان المحتل. بلغت المفاوضات ذروتها في عهد حافظ الأسد، لكنها توقفت بعد اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين (1995)، وهو الحدث الذي صعد باليمين المتشدد وجمّد العملية. أكّد ذلك أن غياب الموقف العربي الموحد ما زال العقبة الأساسية أمام أي تسوية عادلة.
٦. الانتفاضة الثانية والانسحاب من جنوب لبنان (2000)
الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان أظهر قدرة المقاومة على الردع، لكنه لم يكرّس شرعية الدولة اللبنانية كمظلةٍ وحيدة للسلطة.
أما انتفاضة الأقصى (2000–2005) فكشفت حدود التسوية ودخل معها الصراع مرحلة عسكرة دائمة.
٧. المبادرة العربية للسلام (قمة بيروت 2002)
كانت المبادرة العربية محاولةً فريدة لإعادة صياغة رؤيةٍ جماعيةٍ بعد كامب ديفيد: انسحاب إسرائيل من أراضي 1967 مقابل اعترافٍ عربي شامل وتطبيعٍ كامل. لكنها فشلت أمام الرفض الإسرائيلي والتراخي الأميركي والانقسام الفلسطيني، فبقيت الإطار النظري الأوسع دون أدوات تنفيذية.
٨. الاعترافات الدولية الحديثة بفلسطين (2025)
شهدت السنوات الأخيرة اعترافاتٍ رسمية متتالية بدولة فلسطين من دول غربية عدة، أبرزها بريطانيا (21 أيلول 2025) وفرنسا (22 أيلول 2025)، إلى جانب كندا وأستراليا وبلجيكا وغيرها.
هذه الاعترافات تعزّز الشرعية الدولية لفلسطين وتعيد القضية إلى طاولة المفاوضات، لكنها في الوقت نفسه لم تتحول بعد إلى إرادةٍ دولية قادرةٍ على فرض تسويةٍ عادلة، ما يجعلها مكسبًا رمزيًا أكثر منه تحولًا استراتيجيًا.
٩. الانقسام الفلسطيني (2004–2007): مأزق الداخل
رحيل ياسر عرفات أنهى مرحلة القيادة الكاريزمية، وفتح الباب أمام انقسامٍ داخلي بين “فتح” و“حماس” عمّق العزلة الوطنية وأضعف الموقف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والمجتمع الدولي معًا.
١٠. حروب غزة والتطبيع العربي (2008–2021)
الحروب الإسرائيلية المتكررة على غزة دمّرت البنية التحتية وفاقمت المأساة الإنسانية.
وموجة التطبيع العربي – من وادي عربة إلى اتفاقات أبراهام – شكّلت انعطافةً استراتيجيةً نقلت الأولويات من القضية الفلسطينية إلى المصالح الثنائية، ما عمّق عزلة الفلسطينيين وأضعف الموقف العربي المشترك.
١١. لبنان: نموذج الفراغ وتحول المقاومة
بدأ حزب الله كمقاومة وطنية ضد الاحتلال، لكنه تحوّل تدريجيًا إلى قوةٍ ذات طابعٍ طائفي–إقليمي نتيجة الدعم الإيراني.
تجلّت هذه الديناميكية في حرب 2006، ثم في تدخلاته في سوريا واليمن، وصولًا إلى حرب الإسناد الأخيرة بين الحزب وإسرائيل (8 تشرين الأول 2023 – 23 أيلول 2024)، التي كبّدته خسائر جسيمة، بينها اغتيال أمينه العام حسن نصر الله (27 أيلول 2024).
القرارات الحكومية الأخيرة (5 و7 آب 2025) تعكس محاولة الدولة استعادة سيادتها الداخلية عبر تطبيق اتفاق الطائف والقرارات الدولية ذات الصلة بحصرية السلاح وتعزيز حياد لبنان. إنها بداية مسارٍ صعبٍ نحو إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها.
١٢. طوفان الأقصى (2023): ذروة الأزمة العربية
أعادت عملية “طوفان الأقصى” القضية الفلسطينية إلى واجهة المشهد الدولي، لكنها كانت أيضًا كارثةً إنسانية وسياسية: دمّرت غزة بالكامل تقريبًا، وتشرّد أهلها.
تآكلت شرعية القيادة الفلسطينية الرسمية، فيما سعت حماس لاحتكار القرار الوطني.
الاستهداف الإسرائيلي في الدوحة كشف هشاشة الموقف العربي. القمم العربية والإسلامية اكتفت بخطاباتٍ دون قراراتٍ تنفيذية، مؤكّدةً محدودية الفعل العربي أمام الواقع الميداني.
١٣. السعودية: مشروع عربي نهضوي شامل ورؤية 2030
في مقابل الفراغ العربي الذي عمّقته عقود من التفكك والانقسام، تبرز اليوم رؤية 2030 السعودية بوصفها محاولة جادة لإطلاق مشروع عربي نهضوي شامل يعيد تعريف دور الدولة الوطنية في التنمية والسياسة والدبلوماسية.
لقد شكّل التحوّل الداخلي السعودي، مقرونًا بسياسة خارجية أكثر انفتاحًا وتوازنًا، نقطة ارتكاز جديدة لإعادة بناء النظام العربي على أسس الشراكة والاستقرار والتنمية.
من هنا، يمكن النظر إلى الدور السعودي لا كقوة منفردة، بل كرافعة محتملة لاستعادة الفعل العربي الجماعي القادر على ملء الفراغ الاستراتيجي، وإعادة توجيه الصراعات نحو بناء مشروعٍ عربي–إنسانيٍّ جامع، يستند إلى الدولة المدنية، والتكامل الاقتصادي، والهوية الجامعة.
الخاتمة: نحو مشروع عربي جديد
يكشف المشهد العربي الراهن هشاشة النظام الرسمي واستمرار الفراغ الاستراتيجي.
ومع تفاقم الانقسام الفلسطيني وتعطّل المحاولات العربية والدولية، تتجلى الحاجة إلى مشروع عربي جامع يعيد تعريف الأمن القومي على أساس المصلحة المشتركة والهوية الجامعة.
إن المبادرات الحديثة، ولا سيما الفرنسية–السعودية، يمكن أن تشكل قاعدةً لإحياء المسار التفاوضي وإعادة إدماج القضية الفلسطينية في الأطر المؤسسية الدولية.
غير أن التحدي الجوهري يبقى: هل ستنجح الدول العربية في تطوير مشروع موحد يملأ الفراغ الاستراتيجي، أم سيظلّ الاعتماد على الخارج هو الخيار القسري المفروض بالوقائع؟
فمن كامب ديفيد إلى طوفان الأقصى، تتكرّر المأساة ذاتها: غياب الرؤية العربية الجامعة. ولن يُملأ هذا الفراغ إلا بمشروعٍ ينهض من الداخل، يضع الإنسان والمواطنة في قلب المعادلة، ويستعيد للعرب قدرتهم على الفعل بدل الاكتفاء بردّ الفعل.
* باحث وكاتب سياسي











11/12/2025 - 06:34 AM





Comments