ألسفير د. هشام حمدان
يتابع الرئيس السوري أحمد الشرع زياراته وجولاته الخارجية بكثير من النجاح الظاهر. مشاركته في الدورة السنوية العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول الماضي، ولقاؤه الرئيس الروسي بوتين في موسكو الشهر الماضي، واخيراً زيارته الرئيس ترامب في واشنطن، شكلت تطورا مهما في استعادة سورية مكانتها بين الأمم الحضارية في النظام الدولي الجديد الذي قام بعد انهيار الإتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة.
تأتي هذه اللقاءات تتويجا للتحول الذي شهدته سورية منذ سقوط آخر نظام قومي عربي ثوري من جيل الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. فقد كان نظام بشار الأسد آخر مظهر سياسي لعصر القومية الثورية التي تحالفت مع الشرق الإشتراكي تحت شعارات ثورية إيديولوجية لم يعد لها مكان في عالم ما بعد عام ١٩٩٠.
سورية إذا تنتقل بسرعة من موقع منتهي في تاريخ العلاقات الدولية إلى موقع حديث مغاير ومختلف. ولذلك، يحظى الرئيس الشرع برعاية مميزة من القوى العربية والإسلامية التي أقامت وتقيم تحالفا راسخا مع قادة النظام الدولي الجديد. لا أحد يجهل أهمية الدفع الذي تقدمه المملكة العربية السعودية وتركيا لنظام الشرع لتسريع انخراط سورية في آلية هذا النظام.
برزت إحدى علامات هذا الدفع في الموقع السوري بانضمام الشرع إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش. فداعش هي العنوان الذي انخرطت في إطاره صراعات القوى الدولية الممسكة بالنظام الدولي الجديد لترسيخ حركة التغيير عملانيا. داعش هي الإيديولوجيا ما بعد الشيوعية التي حوّلها المجتمع الدولي أداة لتطويع العالم الإسلامي العربي وغير العربي في إطار المفاهيم الدولية الحديثة التي تسمح فقط بأنظمة دينية حليفة لحركة التغيير الدولي.
يسعى النظام في سورية أن يلبس ثوب الإعتدال مثل تلك الأنظمة ولا سيما في السعودية وتركيا. لكنه لم ينجح بعد. وقد كتبنا سابقا نشرح وجهة نظرنا بهذا الشأن لا سيما على ضوء الأحداث التي حصلت في جنوب سورية وما رافقها من مذابح وجرائم يندى لها جبين الحضارة الإنسانية الحديثة. ونحن نعتقد أن نجاح مظهر التحرك الخارجي للنظام في سورية لا يعكس تحولا ونجاحا داخليا مشابها.
يمكن للشرع أن يلبي طموحات قادة المجتمع الدولي ويحظى بدعمهم لكن لا يجب أن يعتقد أن ذلك يجعله أقرب إلى حسم الواقع الداخلي لمصلحته. وضع الأقليات في بلاده تبقى قنبلة موقوتة قد تدمر كل جهوده إذا لم يتم تسويتها بما يتفق مع النظام القانوني الدولي والمعايير الدولية المرعية في النظام الدولي الجديد نفسه.
حتى الآن لا نسمع الا إعلانات تركية حول الواقع الداخلي في سورية تؤكد على وحدة سورية مرفقة بالتشديد على المركزية في الحكم. هذا الأمر يضعف كثيرا من حقيقة أن الشرع رجل قوي قادر على تنفيذ الإصلاحات المنشودة كما قال الرئيس ترامب.ما زالت تركيا هي الفاعل السياسي في البلاد. الفدرالية يمكن ان تكون حلا لاقامة دولة متماسكة في سورية. لكن تركيا ترفض ذلك. ولذلك فالشرع يجد نفسه مكبل الأيدي بهذا الأمر .
تبدو السعودية كباقي الأنظمة الدولية تنظر إلى الشرع على أنه فرصة ثمينة لدفن كامل الحقبة القومية الثورية العربية. وهي تقدم له كل الدعم ليتحول واقعيا الى جزء راسخ من النظام الدولي الجديد واستكمال الدفن الفعلي للنظام السابق في سورية. أما في الشأن الداخلي فربما لم يحن بعد وقت التحول الناشط لترتيب جدي وحاسم له.
سورية الحديثة لن تقوم فعلا ما لم يكتمل اندماجها في النظام الدولي الجديد بتطبيق مبادىء هذا النظام على شؤونها الداخلية، وتتم تسوية مشاكلها مع الأقليات فيها.
لا حاجة لأن نكرر ما شرحناه قبلا عن المنافسة الإقليمية في سورية عبر الأقليات فيها. لكن هذه المنافسة ستظهر بقوة عندما يبدأ الحديث عن الشأن الداخلي.
نحن نتمنى الإستقرار والإزدهار للدولة السورية لكننا نتمنى لها التوافق مع شعبها ، كل شعبها. الإزدهار الحقيقي لا يقوم من دون وحدة وطنية وأيدي مواطنة مشتركة تعمل معا لخدمة الوطن .












11/12/2025 - 06:14 AM





Comments