بقلم: شربل عبدالله أنطون
من غزة إلى دمشق وبيروت وبغداد، تختبر دبلوماسية ترامب عالية المخاطر مدى صلابة الولايات المتحدة ونفوذها ومصداقيتها في إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
تمر المنطقة بمنعطف حاسم. فيما تُعيد إدارة ترامب صياغة قواعد الاشتباك بعد عقود من الجمود الدبلوماسي وصراعات طغت عليها هدنات منتهكة واستراتيجيات فاشلة. إن مصداقية أميركا ونفوذها على المحك وسط سلسلة متوالية من التحركات الجريئة والمحفوفة بالمخاطر لإدارة ترامب. هذه المرحلة الجديدة من السياسة الأميركية لا تهدف فقط إلى استعراض القوة، بل إلى تحقيق نتائج ملموسة في منطقة مضطربة. لذلك فالمخاطر لم تكن يوماً أعلى مما هي عليه الآن.
بعد مرور عشرة أشهر فقط على توليه الرئاسة، يعيد دونالد ترامب رسم ملامح السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. وهذه بعض الخطوات المفصلية التي تشير إلى الانتقال من دبلوماسية رد الفعل إلى دبلوماسية المبادرة، في لحظة فاصلة.
قيادة واشنطن لوقف إطلاق النار: عقيدة جديدة للشرق الأوسط
أولاً، من خلال إطلاق جسر جوي عسكري ودبلوماسي غير مسبوق إلى إسرائيل، تولّت الولايات المتحدة زمام الأمور في وقف إطلاق النار في غزة. وخلال زيارتهم للقدس، أوضح نائب الرئيس جيه. دي. فانس، والمبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومورغان أورتاغوس، أن واشنطن، وليس اللاعبين المحليين، هي المسؤولة عن مستقبل الاتفاق. وتأتي هذه الزيادة في التدخل الأميركي نتيجة درس قاسٍ تعلمته واشنطن وهو: لدى كلٍّ من حماس وحكومة بنيامين نتنياهو دوافع سياسية لتقويض السلام. لذلك وصل فريق ترامب إلى قناعة بأنه "يجب أن يكون القرار في غزة بيد الولايات المتحدة وحدها". ولمراقبة تطبيق ما يُنظر إليه الآن كضمان أميركي، تُحلّق طائرات استطلاع بدون طيار فوق قطاع غزة باستمرار.
ولأول مرة منذ سنوات، يعارض رئيس أميركي علناً محاولات إسرائيل ضم الضفة الغربية، في رسالة واضحة مفادها أن الانخراط الأميركي لم يعد مجرد واجهة دبلوماسية، بل شرط أساسي لأي تقدم. لكن، إذا كانت غزة اختباراً لعزيمة أميركا، فإن العراق هو اختبار لنفوذها.
تفكيك ميليشيات إيران: استراتيجية ترامب الجديدة في العراق
ثانيًا، تقول القاعدة المعروفة إن "السياسة هي الأشخاص". تعكس تعيينات ترامب عزمه على كسر التقاليد لصالح المرونة وسرعة الإنجاز كما يقول. ويتجلى ذلك في اختياره مارك سافايا مبعوثاً خاصاً إلى العراق. في وقت تفتقر فيه الولايات المتحدة إلى سفير في بغداد، يشكّل سافايا بجذوره العراقية ونجاحه مؤخراً ببعض المهمات التي كلفه بها ترامب في العراق، جسراً ثقافياً فريداً.
والأهم من ذلك، أن سافايا قادر على التصرف بسرعة وفعالية، لأنه، على عكس السفراء، لا يحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ ولا موافقة الدولة المُضيفة. إضافة لذلك فأن مهمته واضحة لا لبس فيها: نزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران والتي تشكل تهديداً لسيادة العراق وتنهب موارده. وهدفه الأول: نزع سلاح هذه الجماعات تمهيداً لاستعادة العراق استقلاله ووضعه على طريق "العظمة من جديد".
تزامن تعيين سافايا مع رسالة حاسمة من وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو إلى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني. وقد أوضح روبيو للسوداني هاتفياً سياسة ترامب القاضية بعدم التسامح مطلقاً مع أذرع النظام الإيراني، وحثه على: "ضرورة تفكيك الميليشيات المدعومة من إيران والتي تقوّض سيادة العراق، وتهدد أرواح ومصالح الأميركيين والعراقيين، وتنهب موارد العراق لصالح طهران".
تهدف الاستراتيجية الأميركية إلى استعادة السيادة العراقية والقضاء على أكثر من عقدين من النفوذ الإيراني على بلاد الرافدين. نفوذ فشل الرؤساء الأميركيون منذ غزو بوش للعراق في القضاء عليه. واليوم يتصدى ترامب لهذه المعضلة الهائلة.
مع وجود مارك سافايا في العراق، واقتراب وصول مايكل عيسى إلى بيروت سفيراً للولايات المتحدة في لبنان، فإن واشنطن تحاول تكوين فريق يركّز على الوصول إلى النتائج لا على إدارة النزاعات.
لماذا يجب أن نهتم بتحركات ترامب؟
إن شعوب الشرق الأوسط ودوله، والرأي العام الدولي المتشكك في الوعود الأميركية المستمرة دون نتائج ملموسة، يراقبون قرارات ترامب ويضعون مصداقية واشنطن على المحك.
في المقابل، يراهن ترامب باستراتيجيته الجديدة، التي تتسم بالرقابة الصارمة، والتعيينات غير التقليدية، على قدرة الولايات المتحدة على كسر دوائر العنف والجمود المزمنة في الشرق الأوسط. فهل ستكون هذه الدفعة من التعيينات والدبلوماسية المباشرة نقطة تحول حقيقية أم مجرد عرض مسرحي؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة. لكن الرسالة واضحة: أميركا عادت إلى الشرق الأوسط، بأسلوب لا يعرف المجاملة، وبخطط مدروسة كما يصفها أصحابها.
قد تكون هذه الفرصة الأخيرة والأفضل لتحقيق تغيير حقيقي في منطقة أنهكتها الشعارات وتفتقر إلى الأمل. لقد حان الوقت للانتباه إلى ما تفعله واشنطن، لا إلى ما تقوله.












11/12/2025 - 05:43 AM





Comments