إلياس بجاني *
في 11 تشرين الثاني من كل عام، يتوقف الكنديون بفخر وعرفان بالجميل للتأمل بتضحيات الأبطال الشجعان من الرجال والنساء الذين خدموا وما زالوا يخدمون بلدهم في أوقات الحروب والنزاعات وحفظ السلام.
يوم الشهداء في كندا هو أكثر بكثير من مجرد تاريخ في التقويم؛ إنه تكريم حي وعميق للشجاعة والتضحية والعطاء والسعي الدؤوب لتحقيق السلام. يذكرنا العيد بأن الحريات التي نتمتع بها اليوم تم تأمينها وترسيخها بأثمان باهظة من أرواح وأحلام ومستقبل عدد لا يحصى من الكنديين الذين لبوا نداء الواجب. هذا وتعد زهرة الخشخاش الحمراء، المستوحاة من قصيدة الليفتنانت كولونيل جون مكراي “في حقول فلاندرز”، رمز دولة كندا الدائم للذكرى والصمود والامتنان.
الأهمية التاريخية والتبني
تم الاحتفال بهذا اليوم لأول مرة في عام 1919، بعد عام واحد من نهاية الحرب العالمية الأولى. كان يُعرف في الأصل باسم يوم الهدنة، إحياءً لذكرى اللحظة المحددة التي توقفت فيها الأعمال العدائية على الجبهة الغربية: الساعة الحادية عشرة من اليوم الحادي عشر من الشهر الحادي عشر في عام 1918.
في عام 1931، أعاد البرلمان الكندي تسمية يوم الهدنة رسمياً إلى يوم الذكرى (يوم الشهداء) وثبت الاحتفال به في 11 تشرين الثاني من كل عام. هذا التغيير أقر بالتضحيات التي قُدمت في جميع الصراعات اللاحقة، وليس فقط الحرب العالمية الأولى. ومنذ ذلك الحين، أصبح مناسبة وطنية وجزءاً لا يتجزأ من هوية كندا، مما يعكس دور البلاد العميق في الدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة والسلام الدولي.
التضحيات الوطنية
تجند وخدم أكثر من 1.5 مليون كندي بلدهم في المؤسسة العسكرية عبر تاريخه، ومن المحزن أن أكثر من 118,000 منهم قد قدموا انفسهم قرابين في سبيل حرية واستقلال وسيادة وطنهم والسلام العالمي.
تأسيس كندا
أُعلنت كندا دولة مستقلة في 1 تموز 1867، من خلال قانون أمريكا الشمالية البريطانية (المعروف الآن بـ قانون الدستور لعام 1867). وقد شكلت تلك اللحظة التاريخية توحيد ثلاث مستعمرات بريطانية—أونتاريو وكيبيك ونيو برونزويك في دومينيون كندا. اليوم، كندا هي اتحاد فدرالي متنوع يتكون من عشر مقاطعات وثلاثة أقاليم، متحدة تحت نظام فدرالي يوازن بين الوحدة الوطنية والتنوع الإقليمي. وقد سمح هذا الأساس لكندا بأن تبرز كمساهم عالمي هام في الحرية والديمقراطية.
كيف يحتفل الكنديون بيوم الشهداء
في جميع أنحاء كندا، يُحتفل بيوم الشهداء بإقامة مراسم مهيبة في المدن والبلدات والمدارس والقواعد العسكرية. يقام الحدث الأبرز في النصب التذكاري الوطني للحرب في أوتاوا، حيث يضع الحاكم العام ورئيس الوزراء والقادة العسكريون أكاليل الزهور تكريماً للشهداء.
في الساعة 11:00 صباحاً بالتوقيت المحلي، تلتزم كندا بأكملها بـ دقيقتين من الصمت—لحظة جماعية من الامتنان والتأمل العميق. يملأ صوت بوق النداء الأخير (Last Post) الأجواء، يليه الصلوات والقراءات والتلاوة القوية لكلمات مكراي الخالدة. يرتدي العديد من الكنديين زهرة الخشخاش الحمراء فوق صدورهم، ويحضرون المسيرات المحلية، ويزورون النصب التذكارية للمحاربين القدامى، ويشاركون في الأنشطة التعليمية لضمان ألا تنسى الأجيال الشابة التكلفة الحقيقية ومعنى التضحية.
صلاة من أجل كندا
يا أيها الرب القدير، نشكرك على هذه الأرض المباركة وعلى نّعّم الحرية والعدل والسلام. نتوقف اليوم لنتذكر أمامك الأرواح الشجاعة التي قدمت حياتها لكي تستمر كندا في العيش بكرامة وأمان. يا رب نطلب منك بخشوع أن تارك قدامى محاربينا وجنودنا وجميع من يخدم وطننا الغالي بشجاعة وإيمان وشرف لا يتزعزعون. يا رب اِرشد قادتنا بالحكمة، ووحد شعبنا بالرحمة والامتنان. احمِ كندا الحبيبة— من الساحل إلى الساحل— واحفظها منارة أمل وإيمان وسلام دائم لجميع الأجيال. آمين.
تأمل ختامي: دعوة للعمل
يوم الشهداء ليس مجرد يوم للنظر إلى الماضي وتكريمه، بل هو أيضاً دعوة للنظر إلى الأمام. إنه يتحدى كل كندي أن يحمل شعلة السلام بفعالية، ويدافع عن الحرية أينما تعرضت للتهديد، ويعيش بطريقة تُكرّم حقاً ذكرى أولئك الذين ضحوا بكل شيء… ومع تفتح زهور الخشخاش من جديد في كل شهر من تشرين الثاني تتذكر كندا الشهداء بعرفان من الجميل الصادق الأبطال وتتعهد رسمياً بألا تنسى أبداً تضحياتهم.
* الكاتب ناشط لبناني اغترابي
عنوان الكاتب الألكتروني
رابط موقع الكاتب الألكتروني












11/11/2025 - 07:10 AM





Comments