بقلم معتز فخرالدين *
التحوّل الداخلي ورؤية 2030
بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، انطلقت المملكة العربية السعودية في رحلة تحول طموح نحو مستقبل واعد، مع رؤية السعودية 2030 التي أعلن عنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في عام 2016. تمثل هذه الرؤية خارطة طريق شاملة ترتكز على العمق العربي والإسلامي، القوة الاستثمارية، والموقع الاستراتيجي بين ثلاث قارات، مع التركيز على تمكين المواطنين، تنويع الاقتصاد، وتعزيز ريادة المملكة عالميًا.
تنقسم الرؤية إلى ثلاثة محاور رئيسية: مجتمع حيوي، اقتصاد مزدهر، وطن طموح، وتنفّذ عبر ثلاث مراحل تمتد كل منها لخمس سنوات، تبدأ بالإصلاحات الهيكلية والاجتماعية والاقتصادية، مرورًا بدفع عجلة الإنجاز عبر مشاريع استراتيجية، وانتهاءً بتعزيز استدامة أثر التحول والاستفادة من فرص النمو الجديدة. وقد أسهمت هذه التحولات في تسريع عجلة التنمية الداخلية وخلق فرص اقتصادية وثقافية واسعة النطاق.
تعكس المشاريع الطموحة مثل نيوم، مشروع البحر الأحمر، القدية، والسودة التزام المملكة بتحويلها إلى قوة اقتصادية وسياحية عالمية، مع تطوير البنية التحتية، التعليم، الصحة، والابتكار، لتواكب أهداف رؤية السعودية 2030. كما عززت المملكة بيئة جذب الاستثمارات العالمية، وشجعت الشركات السعودية والأجنبية على إطلاق مشاريع ضخمة في مجالات الطاقة، النقل، السياحة، والابتكار التقني.
الملف السوري: إعادة سوريا إلى المجتمع الدولي
في هذا الإطار الإقليمي الواسع، يبرز الملف السوري بوصفه نموذجًا كاشفًا للتحول في السياسة السعودية.
شكّلت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية في أيار 2024، ولقاؤه بالرئيس السوري أحمد الشرع بترتيب من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نقطة تحوّل فاصلة في التعاطي الدولي مع الملف السوري، ووُصف هذا اللقاء بالتاريخي لما انطوى عليه من دلالات سياسية واستراتيجية. أكسب الحدث أهمية استثنائية في فتح قنوات التواصل بين دمشق والمجتمع الدولي، ومنح سوريا فرصة جديدة للنهوض السياسي والاقتصادي بعد سنوات من الحصار والعقوبات.
منذ اللحظة الأولى لسقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، حرصت المملكة على احتضان النظام الجديد وتقديم يد العون له. وقد أسهم هذا النهج في بناء الثقة بين الحكم الانتقالي برئاسة أحمد الشرع والمجتمع الدولي، وكذلك في السعي لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي، وإتاحة المجال لاستقطاب الاستثمارات وعودة الشركات والبنوك العالمية إلى البلاد.
توجّه عدد كبير من المستثمرين والشركات السعودية إلى سوريا، وطرحت مشاريع متعددة بقيمة تقديرية تصل إلى 16 مليار دولار، بدعم وتشجيع مباشر من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لتشمل إعادة الإعمار، تطوير البنية التحتية، تعزيز القطاع الصحي، وإقامة مشاريع سياحية وصناعية متكاملة في مختلف المجالات، بما فيها مجال الطاقة. هذا ما يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد السوري، ويوفّر فرص عمل واسعة، ويشجّع على فتح قنوات تمويل من المجتمع الدولي لدعم التنمية المستدامة.
كما لعبت المملكة دورًا أساسيًا في إزالة العقوبات الاقتصادية والمالية التي كانت مفروضة على النظام السابق، بما يسمح للسوريين بالاستفادة من مواردهم وإعادة بناء اقتصادهم على أسس جديدة. ولقد قامت المملكة العربية السعودية بتنظيم زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، المقرّرة اليوم، في إطار تحرّك منسّق بين الرياض ودمشق وواشنطن يهدف إلى إنهاء عزلة سوريا السياسية والضغط على الكونغرس الأميركي لرفع نهائي لعقوبات “قانون قيصر”.
يمثّل الموقف السعودي من سوريا بعد أواخر عام 2024 نموذجًا لدبلوماسية ما بعد الصراع، التي تقوم على إعادة الإدماج لا على العزل، وعلى بناء الشراكة لا إدارة الانقسام. فالمملكة التي سخّرت لعقدين أكثر من نصف مواردها السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية لمواجهة ما كان يُعرف بـ«الهلال الشيعي» الممتد من إيران إلى اليمن مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان، تعيد اليوم صياغة سياستها الإقليمية على قاعدة جديدة قوامها التنمية والتكامل لا الصراع والمواجهة. ومع تحوّل سوريا إلى دولة سيادة واستقرار، انكسر القوس المذهبي غير المتوازن، وبدأ يتشكل ما يمكن تسميته بـ “الهلال التنموي الجديد” الممتد من الخليج إلى شرق المتوسط، القائم على الشراكة والتنمية لا على الانقسام والصراع.
اليمن: هدوء الجبهة الجنوبية بعد الاتفاق السعودي–الإيراني
شكّل الاتفاق السعودي–الإيراني برعاية صينية في مارس 2023 محطة مفصلية، أدت إلى تصفير التوترات بين الرياض وطهران، ونزع فتيل الصراع الطائفي الذي كان له تداعيات خطيرة على الساحة اليمنية والعراقية والسورية واللبنانية، وانعكس مباشرة على خفض التوتر الحدودي مع الحوثيين في اليمن والانفتاح على العراق. هذا الانفراج أسهم في إعادة الهدوء إلى الجبهة الجنوبية بعد سنوات من الصراع المستمر والدامي.
تعكس هذه الخطوة قدرة السعودية على الاستفادة من التحولات الإقليمية لتحقيق الاستقرار وربط الأمن المحلي بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، دون الانخراط المباشر في الصراع العسكري، وهو ما ينسجم مع رؤيتها طويلة المدى للسلام الإقليمي.
العراق: شريك استراتيجي في النهضة العربية
أعادت المملكة العربية السعودية ترتيب علاقاتها مع العراق بعد سنوات من التوتر والجمود، لتصبح بغداد شريكًا استراتيجيًا في مشروع النهضة العربية. شهدت العلاقات السعودية–العراقية انفتاحًا سياسيًا ودبلوماسياً واسعًا، عبر تبادل الزيارات الرسمية وتفعيل مجلس التنسيق السعودي–العراقي، بما عزز الثقة بين الطرفين وفتح المجال أمام المشاريع الاقتصادية المشتركة.
ركزت المملكة على دعم المشاريع الاقتصادية والبنية التحتية في العراق، بما في ذلك مشاريع الطاقة، النقل، والموانئ، لتشجيع الاستثمار السعودي، وتنشيط الاقتصاد العراقي، وخلق فرص عمل جديدة. كما ساهمت في تعزيز التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، ما عزز الاستقرار الداخلي للعراق وجعله شريكًا فاعلًا في الأمن والتنمية الإقليمية.
الانفتاح الإقليمي وتصفير الخلافات
حرصت المملكة على إعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية لتعزيز الاستقرار ومناخ التعاون:
• تركيا: إنهاء سنوات من التوتر وفتح صفحة جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري.
• الخليج: حلّ الخلافات مع دول مجلس التعاون عبر اتفاق العلا في يناير 2021، ما أعاد الوحدة الخليجية وفعالية التنسيق المشترك، وأكد دور السعودية كركيزة استقرار إقليمي.
لبنان واللجنة الخماسية: خرق سياسي بعد سنتين من الجمود
لعبت السعودية دورًا فاعلًا عبر اللجنة الخماسية التي تضم مصر، قطر، فرنسا، والولايات المتحدة، ونجحت في تحقيق اختراق سياسي كبير تمثّل في انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة بعد فراغ دام سنتين، مع دعم مشاريع اقتصادية وتنموية تعزز دور لبنان العربي في محيطه الإقليمي.
القضية الفلسطينية: دبلوماسية نشطة وإنهاء التصعيد
اعتبرت السعودية القضية الفلسطينية عنصرًا مركزيًا في مشروعها العربي النهضوي، وعملت على حشد الدعم الدولي لإعادة القضية إلى صلب الاهتمام العالمي.
لعبت المملكة دورًا محوريًا في تعديل بنود خطة ترامب المتعلقة بغزة، خصوصًا في منع التهجير الجماعي للفلسطينيين وضمان مشاركة السلطة الفلسطينية في إدارة شؤون القطاع، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات العاجلة، وإعادة الإعمار. كما عملت على حشد الجهود العربية والإسلامية للضغط على الإدارة الأميركية لتحقيق وقف التصعيد العسكري وتوفير المساعدات الإنسانية.
ساهمت المبادرة السعودية–الفرنسية في إعادة القضية الفلسطينية إلى طاولة النقاش الدولي، وتشجيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية على أساس حل الدولتين وفق الشرعية الدولية. وأسهمت هذه الدبلوماسية في تعزيز الوحدة العربية ورفع صوت القضية الفلسطينية عالميًا.
الساحة الدولية: قمة جدة لأوكرانيا
استضافت المملكة قمة جدة الدولية حول أوكرانيا في أغسطس 2023، بمشاركة أكثر من 40 دولة، لتأكيد قدرتها على جمع الأطراف المتنافسة على طاولة واحدة وتقديم نفسها كوسيط عالمي محايد وفاعل. ساهمت القمة في تعزيز الدور السعودي في السياسة الدولية وتوسيع الشراكات الإقليمية والدولية، مما أكد انتقال السعودية من موقع التفاعل إلى موقع الفعل في السياسة الدولية.
الهند وباكستان
رعت المملكة العربية السعودية توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بين الدولتين في نهاية أيار 2025، واعتبر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أن هذه الاتفاقية تعزز الأمن والاستقرار في جنوب آسيا، وتؤكد أن المفاوضات هي البديل عن الحروب وإراقة الدماء.
خاتمة: السعودية حاملة مشروع عربي نهضوي شامل
تتضح رؤية المملكة من خلال دمج التحول الداخلي برؤية 2030 مع الدبلوماسية النشطة والاستراتيجية الإقليمية والدولية.
نجحت السعودية في:
• إعادة سوريا ولبنان إلى محيطهما العربي.
• تحقيق تهدئة واستقرار في اليمن.
• حل الخلافات الخليجية وإعادة الوحدة الإقليمية.
• تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع العراق.
• دعم القضية الفلسطينية دوليًا ووقف الحرب على غزة.
• تعزيز دورها كوسيط عالمي في ملفات إقليمية ودولية.
تعكس هذه الجهود فلسفة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي يرى أن استقرار الوطن العربي شرط لازدهار السعودية، وأن التنمية المستدامة لا تتحقق بمعزل عن محيط عربي مستقر ومتعاون.
بهذا، تتبلور ملامح مرحلة عربية جديدة تتقاطع فيها التنمية والسياسة ضمن رؤية سعودية طموحة.
إنها نهضة سعودية برؤية عربية، ومشروع عربي بنَفَس سعودي.
* باحث وكاتب سياسي لبناني، منخرط في مشروع فكري نقدي تحرّري يسعى إلى تجديد الفكر العربي وإعادة بناء الوعي الوطني على أسس العدالة والمواطنة وكرامة الإنسان.يتجاوز عملي حدود التعليق السياسي إلى بلورة رؤية عربية معاصرة، تستند إلى الفكر النقدي، وتناهض الاستبداد والطائفية، وتؤمن بقدرة الإنسان العربي على النهوض والتغيير أتولى حاليًا:• رئاسة منتدى تجديد الفكر القومي العربي• نيابة رئاسة المركز الثقافي للحوار والدراسات أكتب عند تقاطع السياسة والثقافة والهوية، واضعًا الأمة العربية في صميم تحليلي، وفلسطين في قلبها.ومن خلال نقد بنيوي ومفاهيمي، أعمل على تفكيك السرديات السائدة والإسهام في بناء رؤية عربية تحرّرية راسخة الجذور












11/10/2025 - 10:30 AM





Comments