د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
حوار المنامة من أهم المنتديات الدولية التي تقام سنويا منذ انطلاقتها بالعام 2004 وتستضيف كبار المسؤولين ومتخذي القرار والمفكرين، فهي منصة تفاعلية تناقش قضايا تلامس الأمن الإقليمي والدولي بهدف تعزيز التفاهم بين دول المنطقة وشركائها، بل هي منصة لترسيخ الأمن والاستقرار والتوافق لصياغة ملامح الأمن الإقليمي والعالمي.
وساطة بكين بين الرياض وطهران لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وظهران في 10 مارس 2023 لإنهاء الصراع الذي استمر عقود من الزمن منذ الثورة الخمينية 1979 ليس فقط لوقف هذا الصراع، بل أيضا لوقف اللعب على هذا الصراع، وهو ما حول المواجهة بين طهران وبين إسرائيل والغرب، خصوصا بعدما شعرت الولايات المتحدة أن الرئيس الصيني انتخب لفترة ثالثة، ما يحمل دلالة رمزية بأن دور الصين السياسي في منطقة الشرق الأوسط سيزيد، ومن الواضح ان الصين ستستخدم نفوذها الاقتصادي القوي للتوصل إلى توافقات أمنية تدعم الاستقرار في منطقة كان ينظر إلهيا انها ضمن نفوذ الولايات المتحدة، خصوصا بعد عامين من المحادثات التي رعاها العراق وعمان.
أتى الاتفاق بعد زيارة الرئيس الصيني إلى الرياض في ديسمبر 2022، ما يعني أن السعودية تبحث عن شركاء استراتيجيين جدد لضمان مصالحها، خصوصا وأن مصالحهما تتقاطع بين الحزام والطريق ورؤية المملكة 2030، بالطبع أتت الوساطة الصينية بعدما غضبت السعودية من دعوة باراك أوباما الذي كان قد وقع اتفاقا نوويا تاريخيا مع طهران في 2015، وطالب السعودية وطهران إلى التغلب على خلافاتهما، وإيجاد طريقة فعالة لمشاركة الحوار وإقامة نوع من السلام، لكن ازداد نفوذ طهران، وأعلنت بفخر أنها تسيطر على أربعة عواصم، ما أدى ترمب في ولايته الثانية إلى الخروج من الاتفاق النووي بشكل آحادي، ووضع عقوبات شديدة على طهران، لكن ذلك لم يكن ليرضي السعودية خصوصا بعد مجئ بايدن للبيت الأبيض، جعلها تقبل الوساطة الصينية في مارس 2023 وعودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
رغم تقديم إيران رسائل تطمينية للسعودية ودول الخليج، وأنها لا تبحث عن الحرب بل تبحث عن المصالح والاحترام المتبادل، كذلك أبدت الرياض استعدادها في تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة وحل أي توتر وزعزعة للأمن في المنطقة، ورغم ذلك السعودية حذرة لأن تاريخ إيران حاضر تتذكر السعودية أنه بعد شغب دامية في مكة قام بها حجاج إيرانيون عام 1987، قطعت السعودية جميع العلاقات مع إيران، وعادت العلاقات مع طهران بعد غزو صدام حسين الكويت في 1990 وتباطأت في التعاون مع تحقيقات الفيدرالي في تفجير 1996 والذي تورطت فيه طهران، وقطعت علاقتها مع طهران في يناير 2016 بسبب الهجوم على سفارتها في طهران وقنصليتها في مشهد حتى استئناف الدولتان العلاقات الدبلوماسية في مارس 2023 بناء على اتفاق برعاية صينية.
أدى إفراط إيران في الاستثمار بالوكلاء إلى إنهاك البنية الإيرانية بدلا من منحها التفوق الاستراتيجي الذي حلمت به، فاقتصادها أقل من اقتصاد دولة الإمارات، وهي نقطة الضعف التي تفوقت عليها السعودية وأصبحت القوة الإقليمية بلا منازع وأصبح اقتصاد السعودية ثلاثة أمثال اقتصاد إيران، كذلك أخفقت في إدراك ان بناء شبكة من الحلفاء المتنوعين لا يعني بالضرورة امتلاك جبهة منسجمة، وإن التقت وتوافقت مصالحها مع المشروع الإيراني، والذي بدأ في ثمانينات القرن الماضي بعلاقة وثيقة مع حزب الله ثم تمدد تدريجيا في إنتاج النموذج نفسه في ساحات مختلفة كالعراق واليمن وغزة وسوريا أرادت بذلك تأسيس أداة ردع استراتيجية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل في العلن لكن في الحقيقة ضد السعودية بشكل خاص والمنطقة العربية، جعلها في مواجهة مباشرة مع إسرائيل خصوصا بعد طوفان الأقصى الذي خشيت إيران من التقارب السعودي الإسرائيلي بعد موافقة إسرائيل في إقامة دولة فلسطينية لتحقيق الممر الهندي عبر حيفا والأردن وسوريا إلى تركيا ثم إلى أوروبا، شعرت إيران بالتهميش وتفكيك محورها ونهاية لنفوذها، ولا زالت إيران ما بين التخلي عن محورها وإحياؤه، ما يجعل السعودية تتريث في إقامة علاقة كاملة مع إيران ما لم تغير إيران سلوكها الإقليمي والدولي، رغم قناعة إيران بأن محورها تحول إلى عبء بسبب أن إيران ليس لديها القدرة على دعم محورها المتهالك والمترهل.
في حوار المنامة أرادت سلطنة عمان اتباع نهج الواقعية السياسية من حيث احترام التوازنات الإقليمية والدولية، والالتزام بالحياد الإيجابي، وبالعمل على دعم الاستقرار وتجنب الصراعات، لكن اعتبره الأمير تركي الفيصل دفاعا عن إيران يثير حفيظة السعودية وشقيقاتها في دول الخليج رغم الحنق على إسرائيل، حيث شهد منتدى حوار المنامة ال22 سجالا دبلوماسيا بين الأمير تركي الفيصل ووزير خارجية عمان البوسعيدي اعتبره الأمير تركي الفيصل تجميل صورة طهران، وان البوسعيدي يرسم صورة وردية لإيران كضحية لجهود دولية لتهميشها واحتوائها، بينما لم يتم التطرق البوسعيدي إلى سلوك إيران العدواني منذ 1979 وتدخلاتها في شؤون الآخرين، حتى ان الأمير تركي الفيصل تساءل أمام الحاضرين هل يرى أي من أعضاء اللجنة إن إيران صادقة في جهودها للانتقال من التدخل المفرط في شؤون الدول الأخرى إلى شريك يمكن دمجه في بنية ليس فقط الخليج بل العالم في 3 نوفمبر 2025 وهو رد على البوسعيدي الذي طالب بإشراك إيران في منظومة الأمن الإقليمي، واصفا سياسة عزلها بانها لم تكن حلا، في المقابل اتسمت تصريحات الأمير تركي بالوضوح والواقعية في توصيف السلوك الإيراني، مقابل الواقعية السياسية التي يدعيها وزير خارجية سلطنة عمان البوسعيدي.
رغم تراجع حدة التوتر الخليجي الإيراني منذ اتفاق بكين بين الرياض وطهران عام 2023، ترى السعودية ان الاستقرار في المنطقة يمر عبر موازنة دقيقة بين الردع والحوار، وهي بين السلوك الإيراني في توسيع نفوذه وبين السياسات الإسرائيلية المتعنتة وحديثها عن إسرائيل الكبرى.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا
Dr_mahboob12hotmail.com












11/09/2025 - 18:15 PM





Comments