الياس بجاني *
إن عبادة وتقديس السياسيين والقادة ليست مجرد خطأ فادح، بل هي أيضًا خطيئة كبرى وخطر يهدد جوهر الحرية الإنسانية. فعندما نرفع سياسيًا أو قائدًا أو حاكمًا أو رئيس حزب أو حتى رجل دين إلى مرتبة القداسة، نحن في الحقيقة نتخلى عن أغلى ما نملك: حريتنا في التفكير النقدي، تلك الحرية التي تمنحنا القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، والتي تحمي مجتمعنا من الاستبداد والطغيان.
تقديس القادة يُشلّ روح النقد والمساءلة ويُعطّل المحاسبة، تلك الروح التي تشكل الأساس لأي ديمقراطية حقيقية ومجتمع حر. إن الحرية الحقيقية تكمن في القدرة على رؤية أخطاء الآخرين وتسمية الأشياء بأسمائها، بغض النظر عن مكانتهم أو سلطتهم. وعندما نفقد هذه القدرة نتيجة للعبادة العمياء، نصبح مجرد أتباع طيعين وعبيد ومُنصاعين، نسير وراء من نعبدهم كالقطيع، دون أن نسأل أو نفكر.
هذا النوع من الانصياع الأعمى يمنح القادة قوة مطلقة، فيشعرون بأنهم فوق القانون وخارج نطاق المساءلة والنقد. وهنا يكمن الخطر الأكبر: عندما نضع شخصًا في مقام القداسة، نجعله يتجاوز الحدود دون رادع، مما يؤدي إلى فساد السلطة وتعاظم الاستبداد.
من المهم هنا أن نتذكر أن غريزة العبادة متأصلة في الطبيعة البشرية. الإنسان بطبيعته يسعى إلى البحث عن شيء أكبر منه، يتوجه إليه بالحب والخضوع، سواء كان دينًا أو فكرة أو حتى شخصًا، ولكن الفرق بين الشخص العاقل وغيره هو كيفية توجيه هذه الغريزة. العاقل يوجه عبادته نحو القيم والمبادئ السامية، وليس نحو البشر الفانين، الذين هم بطبيعتهم يخطئون ومعرضون للانحراف.
يبقى أن تقديس البشر، خصوصًا السياسيين والقادة ورجال الدين، هو خطأ جسيم لأنه يخلق نوعًا من الطغيان. فعندما يعتقد أتباع القائد أنه معصوم من الخطأ، يمنحونه القدرة على ارتكاب التجاوزات دون محاسبة، وهذا يشكل تهديدًا مباشرًا للعدالة والمساواة، ويؤدي في النهاية إلى انهيار النظام الديمقراطي.
في الخلاصة، يجب على الإنسان العاقل أن يتحلى بالحكمة والوعي، وأن يحافظ على استقلالية فكره. ولهذا علينا كمواطنين صالحين وعقلاء وأحرار أن نتعلم كيف نميز بين ما يستحق العبادة والتقدير، وبين ما يجب أن يخضع للنقد والتدقيق. ومن الضرورة بمكان أن ندرك جيدًا وبوعي وعقلانية بأن رجال السياسة والحكام والقادة ورجال الدين والمسؤولين على أي مستوى كان هم بحاجة إلى رقابة ومحاسبة مستمرة من الشعب، وإلى تقييم دائم لأفعالهم. ومن دون ذلك، نخاطر بفقدان حريتنا وتحولنا إلى مجتمع خانع وتبعي، يسير دون وعي نحو المجهول.
* ناشط لبناني اغترابي
رابط موقع الكاتب الألكتروني












11/09/2025 - 18:07 PM





Comments