اميرة العسلي
في ظلّ تصاعد التوترات الإقليمية وتكرار الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية، تتجدد الأسئلة حول قدرة لبنان على الصمود في وجه الضغوط الخارجية، وسط أزمة داخلية غير مسبوقة. فالوضع اللبناني لم يشهد تأزمًا بهذا الحجم منذ عقود، حيث تتداخل العوامل السياسية والاقتصادية والإنسانية لتضع البلاد أمام اختبار وجودي حقيقي.
الانتهاكات الأخيرة التي طالت الجنوب اللبناني، والتصريحات الإسرائيلية المتكررة بشأن التهديدات الأمنية، تعكس رغبة واضحة في إعادة رسم حدود النفوذ، ليس فقط جغرافيًا، بل أيضًا سياسيًا. ومع ذلك، فإن لبنان، بتاريخ مقاومته وصخوره الصلبة، لا يزال يحتفظ بعمق رمزي يجعل من "قعره" أكثر من مجرد مساحة جغرافية، بل رمزًا للثبات في وجه الغزاة.
في المقابل، يعيش اللبنانيون حالة من الإنهاك الشديد، نتيجة الحرمان والمجاعات التي تلوح على أبوابهم، والانهيار الاقتصادي الذي حوّل السعي خلف لقمة العيش إلى انصياع لأرباب السلطة. لم يعد العمل مجديًا في ظلّ منظومة تهيمن عليها المصالح، بل بات البقاء مرهونًا بالولاء السياسي، ما يضع العدالة الاجتماعية في مواجهة مباشرة مع الاستبداد.
الواقع الإعلامي والاجتماعي يعكس هذا التحول، إذ انغمست شرائح واسعة من الشعب في دوامة التواصل الرقمي، بحثًا عن فرص رزق أو تعبير عن الغضب، في ظلّ غياب الأفق السياسي. ومع تفاقم الأزمة، تحوّلت النزاعات الفردية إلى صراعات جماعية، يغذيها الجوع والحرمان، وتُستغل من قبل أصحاب النفوذ لتكريس هيمنتهم.
في هذا السياق، تبرز مفارقة مؤلمة: هل يمكن للفتات أن يشبع الجياع؟ وهل يمكن للنقود أن تعيد للناس شعورهم بالكرامة؟ الإجابة لا تكمن في الأرقام، بل في القيم. فالرحمة والعدالة والإنسانية هي التي تحدد مسار الشرفاء، أما الطغاة، فإن أفلتوا من قبضة الشعوب، فلن يفلتوا من عدالة السماء.
الخطاب الديني يجد صداه في هذا الواقع، حيث يستحضر اللبنانيون آيات من القرآن الكريم لتفسير ما يحدث، ومنها قوله تعالى: "إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا". فالمترفون، بحسب هذا المنطق، هم الحكّام الذين استباحوا ثروات البلاد، وسرقوا نعمة الصبر من شعوبهم، وتركوا الناس يتخبطون في الجوع والذل.
ومع ذلك، فإن القافلة تسير، رغم زئير الذئاب. فالشعب اللبناني، الذي خبر الاحتلال والوصاية والحروب، لا يزال يحتفظ بإرادة الحياة، وإن كانت مثقلة بالجراح. وفي لحظة الحقيقة، يعود السؤال الأهم: هل تغوص إسرائيل فعلًا في قعر لبنان، أم أنها تكتشف أن هذا القعر ليس مستنقعًا، بل صخرة الحق التي لا تنكسر؟
الجواب لا يأتي من الخارج، بل من الداخل اللبناني، من قدرة شعبه على التمسك بالحق، ومن إيمانهم بأن العدالة لا تُصاغ في غرف السياسة، بل تُولد من رحم المعاناة. وفي زمنٍ تتداخل فيه المصالح وتُغتال فيه القيم، يبقى لبنان شاهدًا على أن الحق، وإن تأخر، لا يموت.












11/07/2025 - 20:34 PM





Comments