لبنان أمام امتحان السيادة -- بين التحرر الوطني والتجاذبات الإقليمية

11/07/2025 - 13:51 PM

Prestige Jewelry

 

 

 

 

بيروت – بيروت تايمز – تحقيق خاص من اعداد جورج ديب

 

في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يعود السؤال القديم إلى الواجهة: هل ما زال لبنان سيد قراره؟

منذ استقلاله عام 1943، سعى لبنان لترسيخ مفهوم السيادة الوطنية وَسَط عواصف داخلية وخارجية لا تهدأ. غير أن السنوات الأخيرة، ومع تصاعد الضغوط الإسرائيلية والإيرانية والانقسامات السياسية والانهيار الاقتصادي، وضعت البلاد أمام امتحان مصيري: إما استعادة قراره الوطني المستقل، أو البقاء ساحة مفتوحة لتجاذبات الخارج.

من اتفاق القاهرة إلى الطائف: جذور الأزمة

محطات التاريخ اللبناني حافلة بالمحاولات الفاشلة لبناء دولة سيّدة على قرارها.

فـ اتفاق القاهرة عام 1969 منح منظمة التحرير الفلسطينية حرية العمل العسكري في الجَنُوب، ما حوّل المنطقة إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح. ثم جاءت الوصاية السورية بعد الحرب الأهلية لتكرّس تدخلًا مباشرًا في القرار الوطني، رغم أن اتفاق الطائف (1989) أعاد توزيع السلطة الطائفية دون معالجة جوهرية لأزمة السيادة.

أما الاحتلال الإسرائيلي للجنوب (1978–2000) فكان انتهاكًا صارخًا للسيادة، رغم أن تحرير الجَنُوب عام 2000 أعاد بعض الثقة بالدولة والمقاومة، قبل أن تتجدد الأسئلة حول ازدواجية القرار الأمني والسياسي في البلاد.

بين الدولة والمقاومة: معادلة معقدة

حزب الله يقدّم نفسه كقوة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، لكن وجود سلاحه خارج إطار الدولة يُثير جدلًا واسعًا داخل الساحة اللبنانية. فمن جهة، يعتبره مؤيدوه ضمانة للأمن القومي وردعًا لأي عدوان، ومن جهة أخرى يرى خصومه أن ازدواجية السلاح والقرار العسكري تمنع قيام دولة موحدة القرار والسيادة.

وتتزايد الضغوط الدولية، ولا سيما الأميركية والإسرائيلية والعربية، للمطالبة بحصر السلاح بيد الدولة كشرط لأي دعم أو تسوية. وفي المقابل، يربط الحزب بقاء سلاحه باستمرار التهديد الإسرائيلي، معتبرًا أن “الدفاع عن لبنان لا يمكن أن يكون مشروطًا بقرار خارجي”.

السيادة الاقتصادية.. رهينة الخارج

إذا كانت السيادة السياسية موضع جدل، فإن السيادة الاقتصادية تكاد تكون مفقودة بالكامل. فالانهيار المالي منذ عام 2019 كشف هشاشة النموذج الاقتصادي اللبناني الذي ارتبط لعقود بالديون والتحويلات والمساعدات. وباتت الدولة رهينة صندوق النقد الدُّوَليّ والدول المانحة، التي تربط أي دعم بإصلاحات موجعة تشمل الخصخصة والتقشف وإعادة هيكلة القطاع العام.

كما فرضت العقوبات المصرفية والقيود المالية على بعض الجمعيات والمؤسسات ضغطًا إضافيًا على المجتمع المدني، ما جعل القرار الاقتصادي اللبناني مرهونًا بالإرادة الخارجية أكثر من أي وقت مضى.

الجَنُوب اللبناني.. ساحة التجاذب الإقليمي

يبقى الجَنُوب اللبناني النقطة الأكثر حساسية في معادلة السيادة. فالمنطقة تشهد توترات متكررة، وَسَط تهديدات إسرائيلية متزايدة، واتهامات لإيران باستخدام الجَنُوب كمنصة نفوذ. ورغم أن اتفاق الترسيم البحري مع إسرائيل عام 2022 شكّل إنجازًا تفاوضيًا، إلا أنه تمّ تحت ضغط أميركي واضح، ما أثار انقسامًا داخليًا حول جدواه ومخاطره على السيادة الوطنية. أما وجود قوات اليونيفيل الدولية، فرغم أهميته في ضبط الحدود، إلا أنه يثير تساؤلات حول فعاليته وحدود دوره في حماية السيادة اللبنانية فعلًا.

المبادرات الدولية بين الدعم والتدخل

تتكاثر المبادرات الغربية لإنقاذ لبنان، لكنها غالبًا ما تحمل في طياتها شروطًا سياسية واقتصادية تلامس جوهر القرار السيادي. زيارة الموفد الأميركي طوم برّاك الأخيرة إلى بيروت حملت رسائل واضحة لدعم مشروط بمعالجة ملف السلاح والإصلاحات المالية.

وفي المقابل، تتزايد التحذيرات الإسرائيلية بشأن نشاطات إيرانية محتملة في لبنان، خصوصًا في ملف الطائرات المسيّرة، ما يثير جدلاً حول حدود السيطرة اللبنانية على أراضيها وقرارها الأمني.

أما الدور الفرنسي، الذي يحاول منذ سنوات لعب دور الوسيط بين الفرقاء اللبنانيين، فيصطدم بعقبات داخلية وبالتباينات الحادة في المواقف الإقليمية، من طهران إلى واشنطن.

الصوت اللبناني بين الانقسام والوعي الوطني

يبقى الداخل اللبناني منقسمًا بين محورين: محور يرى في المقاومة درعًا للبلاد ضد العدوان، وآخر يطالب بدولة قوية تحتكر السلاح وتعيد هيبة المؤسسات.

لكن وسط هذا الانقسام، بدأت أصوات فكرية ومدنية – كما رصدت بيروت تايمز – تطالب بإعادة تعريف مفهوم السيادة ليشمل القرار السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي، وليس فقط المسألة العسكرية. فالحراك المدني، الذي انطلق في 17 تشرين الأول 2019، لا يزال يرفع شعار “تحرير الدولة من الفساد والتبعية”، داعيًا إلى استقلال القضاء، ومحاسبة الفاسدين، وإصلاح النظام الطائفي الذي يُعدّ العقبة الأبرز أمام بناء الدولة الحديثة.

نحو أفق جديد للتحرر الوطني

استعادة السيادة اللبنانية تتطلب توافقًا داخليًا جامعًا على مفهوم الدولة، وإرادة سياسية مستقلة عن المحاور الإقليمية. فلا يمكن بناء سيادة حقيقية من دون إصلاح النظام الطائفي، وترسيخ مبدأ المواطنة بدل المحاصصة.

تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية قد يكون خيارًا واقعيًا، لكنه يحتاج إلى ضمانات دولية وتفاهمات داخلية تضمن عدم تحوّل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات.

لبنان في لحظة الحقيقة

لبنان اليوم لا يواجه أزمة مالية أو حكومية فقط، بل سؤالًا وجوديًا: هل يريد أن يكون دولة ذات سيادة فعلية، أم ساحة مفتوحة للتجاذبات الخارجية؟

الجواب، كما تختم بيروت تايمز، لا يأتي من الخارج، بل من الداخل اللبناني نفسه، من قدرة شعبه ونخبه السياسية والفكرية على صياغة مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للدولة، ويضع حدًا للارتهان، ويؤسس لمرحلة جديدة من التحرر الوطني والسيادة الفعلية.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment