ماذا ينقص المتحف المصري الكبير؟

11/04/2025 - 13:25 PM

Arab American Target

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

قد يستغرب البعض من هذا السؤال الاستنكاري الذي يوحي بأن هناك شيئا ناقصًا، خاصة بعد كل ما تحقق من تشييد وإبهار لعرض آثار قدماء المصريين وحفل افتتاح عظيم بحضور قادة العالم، بمن فيهم ملوك ورؤساء دول وحكومات. كما أنه لا يُقصد الأخطاء التي ارتكبت بسبب النقل المباشر للحفل وملء الهواء أو حتى عدم تماشي غالبية الموسيقى مع مِزَاج المصريين الشرقي و"الكلثومي".

لكنّ المقصود بالسؤال هنا غياب بعض الآثار المصرية القديمة من المتحف الكبير والذي يقفز مباشرة إلى الأذهان بمناسبة افتتاح المتحف الكبير لتعود المطالبة بالقطع التي تعرضها عدة متاحف عالمية ويُعتقد بانها وصلت بطريقة غير مشروعة. من أهم هذه القطع حجر رشيد الذي تم العثور عليه بواسطة الفرنسيين في 1799 وقدم مفتاحا لفك رموز اللغة الهيروغليفية واستولي عليه البريطانيون كغنيمة حرب واحتفظت به بريطانيا حتى الآن. هناك أيضا برج دندره أو زودياك، عبارة عن خريطة سماوية مصرية قديمة قطعها الفريق التنقيب الفرنسي من معبد حتحور عام 1821 وأخرجوها من مصر إلى فرنسا ولا تزال في متحف اللوفر. أما تمثال نفرتيتي، زوجة الفرعون اينتون فموجود في برلين، وتتهم مصر علماء الآثار الألمان بتهريبه خارج البلاد منذ أكثر من قرن.

المطالبة بعودة القطع الأثرية .. اليوم وليس غدا!

لطالما دعا علماء المصريات وجموع المصريين إلى إعادة القطع الأثرية البارزة، وقد أعاد افتتاح المتحف إحياء هذه المطالب. صحيح أن حلم المتحف الكبير طال انتظاره لعقدين لدرجة أن الكثيرين تخيلوا أنه لن يتحقق -ومنذ السبت الماضي أصبح الحلم حقيقة ليشهد العالم كله هذا اليوم العظيم-لكنّ الحلم ينتظر الآن أيضا استكمال تنفيذ العدالة أو العدل كما جاء في تعاليم ماعت، أقدم دستور وضعه قدماء المصريين.

إن العدل الذي يطالب المصريون بتفعيله يقتضي أن تبادر الدول التي تحتفظ بآثار مصرية بإعادتها لتعكس نضج الفكر ويقظة الضمير الإنساني، كما صاغها وحفّز عليها المصري القديم ضمن القيم الخلقية والسلوكية الهامة في الحياة. ورغم ان اتفاقية اليونسكو تنصُّ على استعادة الآثار المهربة إلا أن الدول تتهرب من هذا الالتزام. كانت الحجة قديما أن المصريين لن يستطيعوا المحافظة على هذا الإرث الإنساني العظيم. وها أن الحجج قد سقطت الآن. وقد بادرت هولندا بمناسبة مشاركة رئيس وزرائها ديك سخوف في حفل افتتاح المتحف بالإعلان عن اعتزامها إعادة قطعة أثرية مصرية، وهي رأس تمثال حجري عمره نحو 3500 عام من عهد الملك تحتمس الثالث. وكشف عن ذلك رئيس الوزراء بنفسه خلال لقائه بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بعد أن ذكرها ملك هولندا. وقد تمكنت مصر مؤخراً من استعادة 25 قطعة أثرية من الولايات المتحدة؛ ومازال هناك حوالي 45 ألف قطعة بمتحف بوسطن للفنون الجميلة. وستواصل الدولة المصرية بلا شك جهودها لاسترداد بقية كنوزها الأثرية المنهوبة في عدد من الدول، الآن وليس غدا!

بحثتُ عن إحصاء دقيق لعدد القطع الأثرية الموجودة في متاحف العالم فلم أجد رقما محددا، ربما بسبب وجود قطع مهربة بطرق غير مشروعة. سألت زاهي حواس من قبل فقال إنها تتجاوز مليون قطعة موزعة في نحو 40 متحفاً حول العالم، منها حوالي 80 ألف قطعة أثرية، ومن أشهرها رأس نفرتيتي، في متحف برلين، وحوالي 50 ألف قطعة أثرية في متحف اللوفر بباريس. وإذا ما استردت مصر كافة قطعها الأثرية المنهوبة فإنها ستضاف إلى أكثر من 50 ألف قطعة أثرية يضمها المتحف الكبير حاليا، بما في ذلك المجموعة الكاملة من كنوز مقبرة الملك توت عنخ آمون، والتي يُعرض الكثير منها لأول مرة في المتحف بعد فتح أبوابه للزائرين اليوم الرابع من نوفمبر الجاري.

حلم جميل بثلاثين دولارا فقط!

غالبية الصحفيين، وأنا منهم، زاروا المتحف الكبير من قبل؛ وكان قد افتُتح جزئيًا في أكتوبر العام الماضي. كان من المقرر افتتاحه الكبير في يوليو 2025 وتم التأجيل بسبب القصف الإسرائيلي لإيران في يونيو الماضي. ويمكن الآن حجز زيارات للمتحف يوميًا من التاسعة صباحًا حتى السادسة مساءً. وسيدفع الزائر الأجنبي البالغ رسما للدخول بقيمة 1450 جنيهًا مصريًا (30 دولارا) وستكون الزيارة بمثابة الحلم لكل زائر. وإذا كان البعض قد يستغرب من وصف إنجاز مشروع المتحف بـ "الحلم" لكن كل شخص يعرف قيمة الحضارة المصرية يدرك كيف أنه حلم جميل امتد عشرين عاما، وكان مستعصيا أحيانا، بسبب تكلفته التي تجاوزت مليار دولار، وأحيانا بسبب ما واجهه من تأخير، مرة بسبب ثورة يناير 2011 وما تلاها من اضطرابات سياسية، وأخرى بسبب جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا وغزة.

لكن أخيرا تحول الحلم لحقيقة حين سلمته شركتا البناء البلجيكية بيسيكس وأوراسكوم للإنشاءات المصرية ليكون واحدًا من أهم المباني المشيدة وفقا لأكواد البيئة والمواصفات العالمية لها. ومن المتوقع أن يجذب 5 ملايين زائر سنويًا، مما يزيد من أثره على اقتصاد البلاد. ورغم كونه صرحا ثقافيًا عظيمًا كان من المفترض أن يسعد الجميع ويلتفون حوله، لكن مع ذلك لم تختف الملاحظات حول كونه لا يدخل في بند الأولويات بل وواجه نقدا لتكلفته الكبيرة، وغالبيتها قرض من اليابان. لكن العائد الاقتصادي المتوقع كفيل بوضع المتحف المصري بين أبرز المتاحف العالمية، ناهيك عن فرص العمل الجديدة والتي تصل إلى 50 ألف فرصة في الترميم والخدمات الفندقية والمطاعم المحيطة به. للمقارنة، في عام 2024، استقبل متحف اللوفر في باريس 8.7 مليون زائر، والمتحف البريطاني 6.5 مليون زائر، ومتحف متروبوليتان للفنون في نيويورك 5.6 مليون زائر.

وقد مررتُ من منطقة الأهرامات قبل افتتاح المتحف، ولاحظتُ عمليات تطوير شاملة للمنطقة، إضافة إلى رفع كفاءة الخدمات في المحيط بما يجعل الزيارات السياحية ممتعة للغاية. ويتميز المتحف في تصاميمه بزخارف مثلثية، بما في ذلك الشكل المثلث للواجهة الزجاجية للمبنى، وسقفه المائل المتناغم مع قمم الأهرامات الثلاثة وكأنها تحرس المتحف. من الردهة الرئيسية، يؤدي درجٌ مهيبٌ من ستة طوابق، مُزدانٌ بتماثيل عتيقة، إلى 12 صالة عرض رئيسية مبهرة. كما يضمّ المتحف أيضًا مركزًا للمؤتمرات، ومكتبة، ومرافق تعليمية، ومتحفًا للأطفال، ومتاجر ومطاعم. وتعود الآثار المعروضة إلى عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الروماني، وسيجد الزائر تمثال الجرانيت العملاق للملك رمسيس في انتظاره للترحيب به عند دخوله القاعة الرئيسية.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment