حمدي عفت
منذ انقلاب عام 1952، أصيبت الحياة السياسية في مصر بخللٍ عميق أفرز نظامًا اجتماعيًا مضطربًا، وبدأت منظومة القيم الأخلاقية تتآكل تدريجيًا حتى تلاشت ملامحها. ومع تدهور السياسة، ضاق الرزق، وضاعت العدالة، وتحولت معركة الحياة اليومية إلى صراعٍ من أجل البقاء، لا من أجل البناء. أصبح كل فردٍ يبحث عن نجاته الخاصة، فتحوّل المجتمع إلى ساحة يتصارع فيها الجميع ضد الجميع.
لقد واجه الشعب فساد السياسة بفسادٍ مضاد، فخربت الذمم، وانهارت الثقة، وانتشرت أمراض اجتماعية كالحقد والحسد والأنانية. واكتفى كثيرون بعلاقة شكلية بالدين، فظنوا أن الصلاة وحدها كافية، ونسوا أن الإسلام مشروع حضاري متكامل يهدف إلى بناء الإنسان والمجتمع معًا. ضعف الإيمان عند البعض، ومات في قلوب آخرين، بينما سقطت الأغلبية في فخّ المادية، تظن أن المال يجلب الأمان، أو ترضى بالفتات الذي تلقيه إليها السلطة.
أصبح الفكر الأناني هو الحاكم الفعلي للحياة الاجتماعية، وغرق الجميع في سفينةٍ واحدة تتجه نحو الغرق. فلا شجاعة لمواجهة السلطة الغاشمة، ولا وعي بأن المصلحة الجماعية هي السبيل الوحيد لتحقيق المصلحة الفردية.
إن غياب الوعي بفكرة العقد الاجتماعي هو الجذر الحقيقي لهذا الصراع المتوحش؛ فحين يغيب الإحساس بالمسؤولية المشتركة، يتحول المجتمع إلى ذراتٍ متنافرة لا يجمعها سوى الخوف أو المصلحة.
لقد ضاعت ثورة يناير التي كسرت حاجز الخوف من النظام، لأنها افتقرت إلى الوعي بالصالح العام. تشتتت القوى السياسية التي شاركت فيها، وهمّش الشباب الذين صنعوها، بينما اندفع آخرون لاقتناص المكاسب رغم عدم مشاركتهم. فانهار الحلم، وتبدد الأمل، وعدنا إلى المربع صفر.
اليوم، نجد أنفسنا خارج سياق التاريخ، ننتظر مصيرًا صنعناه بأيدينا، في جحيمٍ من صنعنا. والنتيجة أن الجميع مسؤول: السلطة مسؤولة، والمعارضة مسؤولة، والشعب نفسه مسؤول. لأن الصمت واللامبالاة — في نهاية الأمر — هما وجهٌ آخر للمشاركة في الخراب.
ومع ذلك، ما زال هناك أمل في النهوض من جديد؛ فكل أمة تنهض عندما تدرك خطأها وتواجهه بشجاعة. الإصلاح يبدأ من الوعي، والوعي يبدأ من كلمة صادقة، ومن جيلٍ يؤمن أن الوطن لا يُبنى بالأنانية والخوف، بل بالمسؤولية المشتركة والإيمان بعدالة الغد. فمهما اشتد الظلام، يكفي أن تشتعل شمعة واحدة ليبدأ الفجر في طريقه إلينا.












11/02/2025 - 18:54 PM





Comments