بقلم: ألفة السلامي
كتاب "سنوات مع صلاح منتصر -الإنسان، الزوج، الصحفي المستقل" لزوجته منى سعيد الطويل، أكثر من مجرد كتاب عن سبرة صحفي بل تاريخ امتد سبعين عاما لكاتب وإنسان وزوج، ومن ورائه تاريخ الصحافة المصرية وبالتحديد منذ ثورة يوليو وحتى رحيل منتصر في 2022. إنها رحلة صحفية مليئة بالاجتهاد والمثابرة والتحديات والأزمات أيضا، قدمت محطات وأحداث جوهرية غيرت وجه مصر، وشخصيات وكذلك مشاعر مختلطة بين الفرح والألم لونت أكثر من ستة عقود.
وقد استمتعت بقراءة الفصل الأول الذي روته السيدة أرملته منى سعيد الطويل. لم أستغرب الحضور الإنساني الطاغي لها في مسيرته على امتداد أكثر من ربع قرن؛ ليس فقط لأنها كانت الجندية الخفية الداعمة لكل محطاته والمحتضنة له في آخر أيامه كما لو أنه ابنها -كما ذكرت شعورها الراقي في ندوة توقيع الكتاب-بل ولأنها أيضا كانت زوجة شريكة صاحبة شخصية قوية، ورأي وموقف لم تبخل بهما عليه. وقد شاهدت ذلك الحضور المتوهج والأفكار المرتبة خلال ندوة دار الشروق وذكرتني في لحظات كثيرة بوالدها رجل الأعمال الراحل سعيد الطويل، الذي كنت أعرفه طويلا خلال مهمتي كصحفية ومديرة تحرير جريدة العالم اليوم الاقتصادية، وكان بطلا للعديد من الندوات والحوارات ومانشيتات الصفحة الأولى باعتباره رجل أعمال عصامي وشيخ جمعية رجال الأعمال التي كان صاحب مبادرة تأسيسها.

وأتوقف عند بعض العلامات البارزة في مشوار صلاح منتصر التي أولاها الكتاب عناية -وخيرا فعل-وظهر مجهود عائلته والتي سجلت معه على التليفون ذكرياته وأضاف عليها الكاتب الكبير محمد السيد صالح عمقا ببصماته التحريرية، مع السيدة منى زوجة منتصر؛ ومنها أول موضوع في مجلة آخر ساعة التي قضى فيها صلاح منتصر خمس سنواته الأولى في صاحبة الجلالة، عندما كان لايزال طالبا في كلية الحقوق جامعة عين شمس عام 1953، واستحقّ مكافأة من الأستاذ هيكل بعد أن وصل صدى التحقيق الصحفي للزعيم عبد الناصر.
كان عنوان التحقيق "الشعب يجلس على العرش". وتم تنفيذه يشكل سابق لعصره وبلغة وخيال التحقيق التلفزيوني اليوم، حيث اختار فلاحا (محمد سليم عبد الله وزوجته فاطمة وابنهما محمد)، وهي أسرة تنتمي لمنطقة ريفية –إمبابة-وتحديدا قرية ميت عقبة، قبل أن يصلها الزحف العمراني وتصبح حي المهندسين. وقد اصطحبهم منتصر في جولة داخل قصر عابدين بمناسبة فتح أبوابه ليزوره الشعب في العيد الأول لثورة يوليو. تقدم الفلاح بكل تلقائية وجلس مع أسرته على كرسي العرش الذي كان يجلس عليه الملك، فسجل منتصر تلك اللحظة مع إعطائها الرمزية التي أسعدت ثوار يوليو وقادتهم وجموع الشعب. ثم تمادى منتصر في الرمزية عندما ذكر أن الطفل الصغير أراد أن يقضي حاجته فأخذته والدته في نفس حمام الملك فكان بذلك "أول من قضى حاجته في هذا المكان بعد الملك". وكان واضحا ذلك الانحياز السياسي والطبقي لثورة يوليو من قبل صلاح منتصر ابن الطبقة المتوسطة في دمياط وشبرا وطالب الحقوق الطامح للتغيير والإصلاح!
وتوالت بعد ذلك تحقيقاته عن الفيضانات وغرق البيوت والتي مهدت لإعلان مشروع بناء السد العالي وكذلك تحقيقاته عن التأميم من بور سعيد والإسماعيلية، ومجانية التعليم، والعدوان الثلاثي في 1956، وكيف تسلل إلى بورسعيد الباسلة مرتديا ملابس الصيادين في مركب معهم ليسجل صورة الحياة التي كان يعيشها المصريون بعد احتلال الإنجليز للمدينة. وتعرف هناك بالمصادفة على الزعيم الوفدي الكاتب الراحل مصطفى شردي، حيث أواه في منزله واستطاع أن يغطي العمليات الفدائية، وأشهرها عملية خطف أحد الضباط الإنجليز والذي تبين أنه قريب الأسرة المالكة.
وتتوالى فصول الكتاب الممتعة لسيرة صلاح منتصر ونتعرف على انتقاله للأهرام عام 1958، بعد عام واحد من التحاق الأستاذ هيكل بالأهرام ورئاسته للتحرير. وكان من أهم انجازات منتصر في بيته جريدة الأهرام التي قضى فيها ستة عقود، توليه رئاسة قسم التحقيقات الذي أنشأه ولم يكن قبل الأستاذ هيكل يعرف شيئا عنه. وقاد فريقا من "العتاولة" بقسم التحقيقات، جميعهم شباب في العشرين، مثل عبد الوهاب مطاوع ومحمد زايد ويحيى التكلى وعزت السعدني.
كما نشر منتصر تحقيقات مهمة عن غزة وحياة البؤساء داخلها والجزائر ومعارك التحرير ودمشق بعد الوحدة مع القاهرة، إضافة إلى انفراده بحوار مع المارشال مونتجومري في بيته بالريف الإنجليزي خلال منحة تدريب في جريدة أوبزرفر، واحدة من أقدم صحف بريطانيا والتي تصدر منذ 1791. وكانت المنحة من الأستاذ هيكل الذي كان بدوره بطلا في سيرة صلاح منتصر نتيجة الدعم الذي قدمه له وتحول إلى صداقة وطيدة مع مرور الوقت. كما عرفنا من الكتاب حيثيات انتقال منتصر إلى تغطية قطاع البترول في الفترة التي تزامنت مع النكسة وشعوره بالإحباط جراء حجب المعلومات المتعمّد عن هزيمة 67 من الأستاذ هيكل عن القراء. وجاءت استعدادات حرب أكتوبر وتحقيقات منتصر عن تأميم القطاع في ليبيا بعد تولي العقيد القذافي السلطة وتأميم البترول العراقي وإرهاصات استخدام البترول العربي كسلاح قومي ضد الغرب، وحواره مع أوناسيس رجال الأعمال المعروف وتطرقه إلى استثماراته في ناقلات خط البترول من السويس للإسكندرية، وكذلك زواجه من جاكلين كيندي أرملة الرئيس الأمريكي الأسبق. وقد توجت تلك الفترة بكتابه "حرب البترول الأولى" عام 1975.
أخيرا، الندوة التي أقامتها دار الشروق كانت أشبه بالعرس والعريس هو الراحل صلاح منتصر وعادة لا نشبه الراحل بالعريس في الثقافة الإسلامية لكنه كان حيا في الندوة ولم يكن راحلا. وقد أدارها الأستاذ عماد الدين حسين رئيس تحرير الشروق وبحضور كاتبة السيرة السيدة منى الطويل والأستاذ محمد السيد صالح رئيس تحرير المصري اليوم الأسبق، وتحولت لغبطة وتحية -مجرد تحية بسيطة- لذلك يحتاج الكتاب للمزيد ربما من الندوات عن كاتب كبير عاشت سيرته وكلماته وعبّر عنها خلال الندوة كوكبة من كبار السياسيين والمثقفين والصحفيين، ولم يكن ينقص هذه الكوكبة المتميزة سوى وجوده بنفسه، وإن كنا رأيناه حاضرا في كل المدعوّين وبعاطفة وتأثر من خلال ملامح أبناء شقيقه، السيدة منى منتصر والسيدة إلهام منتصر وأولادهما. وقد كان صلاح منتصر بمثابة الأب والمعلم والقدوة لعائلته وترك أثرا واضحا في تكوينهم ومسيرتهم. ولعله يستحق منهم أيضا كتابا منفصلا عن سيرة هذا الأب المثالي الذي لم ينجبهم لكنه لم يبخل عليهم بشيء.













10/30/2025 - 09:05 AM





Comments