الاب الدكتور نبيل مونس *
قبل أن يصل البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان في رحلته البابوية الأولى، قرّر أن يحمل غصن الزيتون إلى تركيا ولبنان، إلى جوار الجراح التي ما زالت تنزف منذ نشوء الأمم، ومنذ انتشار عالم الأديان وتصارع الأعراق والسلطات والقوى، الطامعة منها، أو الفاتحة، أو الثائرة.
لا أعلم إلى متى ستستمر هذه الدوّامة، لكنّ شيئًا واحدًا يملأ قلبي يقينًا: عودة المسيح ونهاية العالم والحضارات، بما فيها من مكوّنات وسلطات منظورة ومخفية.
هذا ما يحمله البابا في عباءته البيضاء: بشارة التحوّل النهائي، وعودة يسوع من السماء، من خلف السحب والكواكب، لأنه هو الحق الحي، الدائم، والمخلّص الأبدي.
أما أفاق بعد عقل الإنسان؟ لماذا كل هذا الجهل، والغباء، والتحجّر؟ إن الخلاص والبقاء والوحدة بين الأديان والشعوب لا تأتي إلا من العُلى، من ذلك السموّ الذي لا يُدانى. فالسلام الحقيقي والدائم لا ينبع من الجذور الترابية، ولا من الأنظمة، ولا من كيان دنيوي متفوّق، ولا من أيّ قوة كونية مغناطيسية تُمسك بها الجاذبية المحكمة، لأن مهندسها الأعظم هو القلب الإلهي الذي لا يخيب، ولا يغيب، ولا يموت، حتى وإن طُعن بحربة.
ها هو البابا في نيقية، بعد ألف وسبعمائة عام على صدور قانون الإيمان النيقاوي، ذلك القانون الذي سهّل وقرّب إلى قلوبنا سرّ الملكوت الإلهي، واختصر لعقلنا المحدود كلام الله المنزَل، التجسّد في الإنجيل والكتاب المقدّس، الذي كشفه لنا المسيح، الذي أخلى ذاته وجاء إلى أرضنا التي ما زالت تئنّ من خداع الشيطان، ومن الاقتتال والظلم والكفر والانتقام، حتى وصل بنا الشر إلى طعن القلب الإلهي المتجسّد في المسيح، الذي أراد أن يجمع الكل تحت جناحيه، الإلهي والإنساني، ليحيا الإنسان في حرّيته، ويتحرّر من سجنه الشيطاني، فيعيش في سلام مع ذاته ومع أخيه، ويلتقي بوجه الله الحقيقي.
إن قانون نيقية، الذي تردّده كل الكنائس في العالم، يحمل في طيّاته قصة الحب الإلهي لكل البشر، يُظهر لنا درب الخلاص، ويوحّد قلوبنا بالقلب الأوحد، الذي أحب كل فرد، وكل شعب، وكل جماعة، كل الأرض وما فيها وعليها، ظاهرة كانت أم خفية، ونزل من السماء ليرفع عيوننا إلى النور الحقيقي، وصعد إلى الصليب بمشيئته، لكي يرفعنا بقوة الآب إلى أعماق الحب الإلهي الأزلي.
منه، ومعه، وفيه، سيعود الإنسان إلى خالقه، لأننا من الله، وإلى الله عائدون.
* الأب الدكتور نبيل مونس هو كاهن ومفكر لاهوتي لبناني يخدم رعية مار شربل المارونية في ولاية اوكلاهوما – الولايات المتحدة منذ عام 2018، ويتميّز بأسلوب تأملي عميق في كتاباته الروحية والفلسفية التي تربط بين الإيمان المسيحي والواقع المعاصر. تناول في مقالاته قضايا الحق والوجود، مستندًا إلى محاكمة المسيح أمام بيلاطس، ومؤكدًا أن الحق لا يسقط لأنه متجسد في المسيح. في بيروت تايمز، وجّه نداءً ضد الحروب التكنولوجية، داعيًا إلى حضارة اللقاء بدل الإلغاء. كما كتب عن رموز الكنيسة المشرقية كالبطريرك يوحنا مارون والبطريرك إسطفان الدويهي، مسلطًا الضوء على الهوية الروحية للبنان.












10/28/2025 - 05:57 AM





Comments