د. خالد زغريت
لا شك في أن مطلبنا المشروع بنزوع المثقف عن غرائزه ، لأنها تحط به إلى درك أسفل من قيمته، لكن بعضهم يحرر لنفسه مسوغات كثيرة بذريعة قوة سلطان الثقافة تبدع أسلحتها، مما يجعل شريعة الصدام مرجعية أساسية للحوار.
يحكي تلاميذ علامة الشام في منتصف القرن العشرين (محمد راتب النفاخ) حكايات وحكايات عن مواقف مفرطة لهذا الأستاذ، أولها تعاليه عن نيل شهادة الدكتوراة في الأدب رغم لزومها لمدرس جامعي، مجاهراً برأيه من دون حرج عن تعاليه حيث كان يرد بصوته المضخم (من ذاك الذي يستحق أن يشرف علي). وفعلا قضى المغفور له، ولم يشأ أن يتقدم لنيل الدرجة العلمية، لأنه لم يكن يرى من يساويه علماً، وكيف سيجد من يفوقه، ويكون أستاذه، هذه وتلك روايات متداولة على ذمة متداوليها.
ويرجع تلامذته هذا الموقف إلى سردية تحكي ردة فعله على عميد الأدب العربي طه حسين الذي كان له معه جولة فريدة الطرافة، يرويها تلامذته (ذهب النفاخ إلى مصر قصد التقدم لنيل درجة علمية في الأدب وكان لابد له أن يقابل عميد الأدب طه حسين ولما التقيا جلس كل واحد منهما مقابل الآخر وبينهما طاولة فدار الحديث التالي:
سأل طه حسين: ماذا تحفظ من الشعر الجاهلي؟
أجاب النفاخ بفخامة صوته: سل ما تشاء.
تبرم طه حسين بالجواب المتعالي وسأله: ماذا تحفظ من شعر صدر الإسلام.
كرر النفاخ جوابه: سل ما تشاء.
كتم العميد غضبه وأردف: ماذا تحفظ من الشعر الأموي.
فكرر جوابه بحرفيته: سل ما تشاء.
فسأل العميد بنزق ومن الشعر العباسي، فكان جواب النفاخ: سل ما تشاء.
فما كان من العميد إلا أن طاش صوابه وسأله شاتماً: قل لي ما الفرق بينك وبين الحمار يا أستاذ.
أجابه بكل فخامة هذه الطاولة يا دكتور … مشيراً بيده إلى الطاولة التي تفصل بينهما.
هذا الحوار استهلك في مخازن العلم ومستودعات التربية فلم يبق منه إلا تجلي جلال الجوهر، ترى إذا كان الحوار بين(الأساتذة) يرتقي إلى هذا المستوى من المبارزة في تطوير منهج الاستبداد، فكيف هو الحال بين الأستاذ والطالب، والذكرى تنفع بأن العلم بيت الحوار، يروي تلامذة النفاخ حكايات تلحق بتغريبة بني هلال في تراجيديتها العربية في حوار الأستاذ مع طلابه.
من ذلك : ما إن دخل النفاخ القاعة الدرسية حتى أغلق باب القاعة، وشاء القدر أن يخذل طالبة في مرحلتها العلمية الأخيرة ، في مراهنة على قوة العلم فطرقت الباب، التفت النفاخ مبغوتاً لأن أحداً لا تأتى له الجرأة في الدخول بعد النفاخ، وإذا بطالبة بدينة الجسم تحمرّ، وتزرق احتساباً لما سيلحق بها، جال الأستاذ، وصال في تمريغ الطالبة بالتوابيخ التي يجوز فيها الوجهان الإهانة والإرهاب، ولثقتها بالعلم ومعنى العلماء قالت : يا أستاذ أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم(رفقاً بالقوارير). قال: بلى بلى سمعت، لكنني لم أسمع أنه قال: رفقاً بالبراميل مشيراً إلى بدانتها…
ربما لا نتمكن من تقدير الحرج، والمهانة التي كلفت الطالبة ترك الجامعة.!!! أما الحديث عن الحوار العلمي في الجامعة فلا معنى له إن لم يطابق سرير بروكوست الذي ينصبه الدكاترة لقياس تطاول الطلاب على مقام الأستاذية.
ليس للجامعة حرمها المكاني وكرسيها العلمي بمقياس أكاديمي بل بمقياس مزاجي نشأ من عقدة السلم القيمي الاجتماعي للدكتور في بيئة تراه في أسفله.
ولذلك نجد منهم يتسلح بمعايير باتونية وخراسانية، تسور هالتهم، فمَن يجرأ أن يخالف دكتوراً في رأيه؛ بل من يجرأ على أن يقرأ لكاتب لا يروق للدكتور، صدقوني أن أحد الجهابزة، قرر ملحمة أوديسة العراق الخالدة موضوعا في الأدب الغربي، رغم أنف الجميع،و آخر أصدر حكمه القاطع في أن كلمة ( قبر) غير فصيحة، وأن كلمة برناسية التي وردت في بحث أحد الطلاب فذلكة مائعة ألفها الطالب، وليست مصطلحاً أدبياً، وللطرفة أروي حادثة تشرم الشفتين من القهقهة العلمية.
أحد الدكاترة الممتازين كان يتندر بأنه إذا ما عرض عليه شعر رديء يقول لصاحبه: أنت قصاص جيد هزءاً منه وفي إحدى المحاضرات لمح ديواناً لأدونيس مع طالب فتفضل على الطالب بابتسامته الرضية قائلاً للطالب: إن أدونيس قصاص ممتاز، وعلق ذلك بذاكرة طالبة من اضرين، ولما طلب من الطلاب دراسة مجموعة قصصية، فطنت الطالبة إلى اكتشاف باهر، فهي ستختار ما يعجب الدكتور، وما كان منها عندما جاء دورها في تسجيل بحثها إلا أن وقفت معتزة بنفسها، وقالت: بحثي يا دكتور في قصص أغاني مهيار الدمشقي لأدونيس.
هل يمكن لعقولنا أن تتلفت لهذه الأطلال القادمة؟ هل يحق لنا أن نسأل عن الأبواب السرية التي تدخل منها شهادات الدكتوراه والأستاذية إلى الجامعة، وكيف تقاس كفاءاتهم التعليمية؟.
إنها الجامعة بيت العلم الذي سنعبر به، ونتربى في رحابه وووو …. فـ للحوار حرمته العلمية، وليس الأستاذية.
(من دفتر كنت طالباً).












10/25/2025 - 11:02 AM





Comments