د. عبد الحفيظ محبوب *
منذ الثورة الخمينية 1979 وإيران تود مد نفوذ ثورتها ليس فقط في المناطق الشيعية كما يظن البعض تحت شعارات كثيرة، خصوصا وأن علاقة الثورة الخمينية بالحركات الإسلامية في السودان متجذرة رغم اختلاف الأيديولوجيات لكنها تتوافق حركيا.
اهتمت إيران بالسودان لأهمية موقعه وإطلاله على القرن الأفريقي وستصل إلى البحر الأحمر وبحر العرب وهو امتداد يصل إلى الحوثيين في اليمن، وهو على غرار وصول إيران إلى حزب الله على البحر الأبيض المتوسط من خلال الطريق الواصل من العراق وسوريا، وجدت إسرائيل نفسها محاطة بمثلث استراتيجي، وكان طوفان الأقصى فرصة لإسرائيل في القضاء على هذا المثلث، استثمرت السعودية سريعا ملئ هذا الفراغ، واستعادت سوريا وكذلك لبنان مع القضاء على حماس المدعومة من قبل إيران.
كل الحركات الإسلامية وبشكل خاص حركة جماعة الإخوان رأت في الثورة الخمينية أنها ستعيد أمجاد الثورة، خصوصا وأن الثورة الخمينية تلتقي بالثورة المهدية في السودان 1881 بل استلهمت منها بعض المبادئ التي هزمت القوات التركية المصرية والبريطانية والسيطرة على الخرطوم 1885، وتولى الصادق المهدي رئاسة الوزراء في 1986 – 1989، وهناك تشابهات مفاهيمية في شعارات وأساليب حزب الأمة مع الثرة الإيرانية أدت إلى نقاشات حول إمكانية استلهام المهدي من أساليب الثورة الإيرانية في تشكيل دعواته، أي التشابه في التكتيكات، فالمهدي يتحدث عن فكرة الإمام كمركز للسلطة، مثلما فعلت الثورة الخمينية، ويتم الترويج لفكرة الإمام عند الشيعة.
رغم ذلك أول حركة إسلامية تبلغ السلطة في العالم السني في السودان، ما سميت بحركة الإنقاذ 1989 بقيادة البشير في مقاربة مع الثورة الخمينية التي كانت قبلها بعشر سنوات بوصفها شيعية، احتفت بالثورة الخمينية ورفعت حركة الإنقاذ شعارات مثل الأمة الرسالية لا تهزم، والشهيد روح التاريخ، وإذا خيرت بين الحركة والسكون فاختر الحركة، وغيرها من شعارات، وزار حسن الترابي الخميني واقترح عليه أن يسمي الخليج العربي بالخليج الإسلامي تماشيا مع شعارات الثورة الخمينية لكن ذلك لم يرضي الخميني.
تعرضت الخرطوم للضغوط والعقوبات الدولية، وهدف إيران ليس فقط الهيمنة على القرن الأفريقي بل أيضا لديها مشروع نشر التشيع في أفريقيا عبر بوابة السودان للوصول إلى دول غرب أفريقيا وعبر محطات عدة، خصوصا بعدما تمكنت إيران من إنشاء أول مركز ثقافي إيراني في عهد حكومة الصادق المهدي عام 1988 الذي روج لفكرة الإمامة والمهدي المنتظر عند حزب الأمة والتشابه معها في بعض جوانبها للإمامة عند الشيعة بزعم ان الإمام محمد احمد المهدي وخليفته عبد الله التعايشي كانت تمر بهما رؤى منامية من النبي صلى الله عليه وسلم تناديهما إلى تطبيق الحكم الإسلامي وكيفية تطبيقه، وهذه موجودة في أدبيات الصادق المهدي في مؤلفاته طريق الخلاص والمنجيات العشر.
لعبت إيران دورا في تدريب وتزويد المجموعات المرتبطة بالإخوان ببعض الموارد والتقنية والدعم اللوجستي، المنهج الذي اتبعته الحركة الخمينية فقه التقية، بينما المنهج الذي اتبعته الحركة الإسلامية في السودان بقيادة حسن الترابي فقه الضرورة لإدارة البلاد.
أرادت إيران أن تكون الراعي الرسمي للإسلام السياسي، ولم تسمح لهم بأي قيادة بل عليهم التبعية، أي ألا يصبحوا جسما مقابلا ومنافسا للقيادة الإيرانية، خصوصا وأن أمريكا أرادت جسما إخوانيا موازيا لإيران يطوق السعودية، إيران أرادت من أجل تحقيق مصالحها الأيديولوجية والسياسية والاستراتيجية التي تلتقي معا، لمنافسة القيادة الدينية للسعودية بحكم رعايتها للحرمين الشريفين التي امتزجت بقدرة سياسية وإمكانات اقتصادية.
بدأت انشقاقات في جسد الحركة السودانية الشهيرة بين حسن الترابي ونظام البشير عام 1999، بدأت تضعف تغلغل إيران التي تسرب أيديولوجيتها تارة بين الحركة الإسلامية الإخوانية وتارة أخرى بين الطوائف، وبدأ عمر البشير إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية عام 2014 لكن المجتمع الدولي رأى انها خطوة غير جادة، تجددت المطالبات في ثورة ديسمبر 2018 بتجفيف الوجود الإيراني في السودان الذي نجح في التخفي بين الطوائف الدينية والطرق الصوفية، بدعم من بيان هيئة كبار العلماء في السعودية باعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية لا تمثل منهج الإسلام.
تحول الإسلاميون في السودان من قبضة السلطة إلى هاوية التمرد، وأثبتت الحركة انها لا تتمتع ببعد نظر استراتيجية وتستند إلى تكتيكات تفتقر إلى الشمولية تتداخل فيها الأبعاد السياسية والتنظيمية والعسكرية والقبلية متبنية نموذجا يشبه كثيرا النموذج الإيراني، بل عمدت إلى بناء واجهات عسكرية على غرار الحرس الثوري في إيران فأنشأت قوات الدعم السريع لكن الدعم السريع تحولت إلى قوة مستقلة، فانقلبت على الإخوان، فبدأت توظف القوات المشتركة المكونة من عدة حركات مسلحة بتوجهات فكرية مختلفة لمحاربة الدعم السريع.
هناك اليوم انقسام في أوساط الإسلاميين بخاصة في حزب البشير المؤتمر الوطني بسبب اختيار قيادة جديدة وهو ما رفضته مجموعة أخرى بحجة عدم شرعيته، بينما شن فريق ثالث هجوما لاذعا على قائد الجيش البرهان باعتبار ان الانتصارات الأخيرة يعود الفضل لها للإسلاميين وليس للجيش، في الحرب المندلعة منتصف أبريل 2023، في حرب راح ضحيتها أكثر من 500 قتيل، ونزوح الملايين، رغم ان البعض يرى أن هذه الانقسامات في حزب المؤتمر الوطني تمهد الطريق لتغيير سياسي أوسع في السودان في التعامل مع المرحلة الانتقالية، حيث أدت الثورة السودانية إلى تغيير المشهد السياسي بصورة جذرية، مما أثر على توازن القوى داخل حزب المؤتمر الوطني أدى إلى ظهور تيارات جديدة تطالب بتغيير جذري في سياسات الحزب.
هناك إجماع أفريقي الاتحاد الأفريقي وإيغاد على خريطة الطريق الدولية لحل أزمة السودان، التي أعلنتها المجموعة الرباعية المكونة من الولايات المتحدة والسعودية ودولة الإمارات ومصر، ودفع عجلة انتقال سياسي شامل بقيادة مدنية، ولا يمكن أن يكون هناك حل عسكري للأزمة السودانية، وقد دعت الرباعية إلى هدنة إنسانية في السودان لمدة ثلاثة أشهر أولية لتمكين دخول المساعدات الإنسانية بسرعة إلى جميع أنحاء البلاد، وبما يؤدي فورا إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم إطلاق عملية انتقال شاملة وشفافة واختتامها في غضون تسعة أشهر لتلبية تطلعات الشعب السوداني نحو إقامة حكومة مستقلة بقيادة مدنية تتمتع بشرعية ومساءلة واسعتين، لا تخضع لسيطرة أي طرف من الأطراف المتحاربة، واتهمت جماعة الإخوان بتأجيج الصراع الداخلي في السودان، ولا يمكن أن مستقبل السودان يملي من قبل الجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بشكل مباشر وغير مباشر بجماعة الإخوان المسلمين التي اتهمتها الرباعية بزعزعة الاستقرار، وشددت الرباعية على ان الدعم الخارجي لطرفي الحرب في السودان يؤدي إلى إطالة أمد الصراع ويزعزع الاستقرار الإقليمي.
تستضيف واشنطن اجتماعات غير مباشرة بين طرفي الصراع في السودان، خصوصا مع تعنت قائد الجيش البرهان في كلمته في عطبرة في ولاية نهر النيل الشمالية لا تفاوض مع أي جهة، ولا أحد يفرض علينا سلاما أو حكومة او أشخاصا الشعب رفضهم، لكنه في نفس الوقت رحب ببيان الرباعية مبديا استعداده لأي تفاوض يضمن إنهاء التمرد، حيث شهد يوم 24 أكتوبر 2025 في واشنطن الجلسة الأولى لتقريب وجهات النظر بين الجانبين وتثبيت هدنة إنسانية، وتجرى مفاوضات وسط تكتم إعلامي شديد، واقتصرت المشاركة على قيادات عسكرية دون أي تمثيل مدني، ووفقا لوكالة بلومبيرغ فإن مسؤولا أميركيا رفيع المستوى أشار إلى وجود تقدم ملحوظ في محادثات السلام الجارية ضمن جهود تهدئة النزاع، وفي تطور جديد ضمن الحراك السياسي توجه وفد من تحالف تأسيس إلى واشنطن برئاسة المهندس القوني حمدان للمشاركة في سلسلة من اللقاءات السياسية والدبلوماسية الرفيعة المستوى، لطرح رؤيته بشأن الأزمة السودانية والسعي نحو إيجاد حل شامل ومستدام ينهي النزاع المسلح ويعيد الاستقرار إلى السودان، بما يضمن إشراك القوى المدنية في عملية التسوية.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا












10/25/2025 - 04:59 AM





Comments