انحَتوا أفكاركُم جيِّدًا بإزميل كلماتكم

10/24/2025 - 14:34 PM

A

 

 

 

بقَلَم: ماروُن سامي عزّام

 

عندما تنتاب الكاتب فكرة ما، يسكب كلماتها على ورقته، ويبدأ ببنائها إلى أن تكتمل، لتصبح متينة، بعد أن شذّبها لغويًا، وهذّبها نحويًا، ليستمتع القارئ بإنتاجه الأدبي الجديد في الصحيفة أو المجلّة، فإن ما يكتبه الكاتب يُخرجه من عالم إبداعه الخاص، هذا الإبداع غير ملموس، لا يعرف حدودًا، لأنه قادم من عالم الخيال الذي يُعتَبَر البيت الشَّرعي لتفكير الكاتب، فنشأ وتكوّن في ذهنه بالفطرة.

ما يهمني لحظة الكتابة، أن يكون مضمونها واضحًا، وألاّ يدع الكاتب زمام فكرته تجمح مع خياله، وعدم التلاعب بمشاعر النّاس، وبالأخص في عصرنا الإلكتروني الساحر، الذي "يبهرنا" بتماديه الافتراضي المنطلِق من كل زاوية منزليَّة، لتتحوّل الكلمة إلى أداة حادة تجرح شعور الآخرين، وهُم في أقصى حالات راحتهم، لأن الهواة تحديدًا لم يدركوا بعد، الأبعاد الخطيرة للكلمة، فيقعون في متاهات اللوم والعتاب.

لكم أن تكتبوا عن أي موضوع تريدون، ولكن عندما تتعدّون سقف حريّة التعبير، تتحوّل كتاباتكم إلى ورشة ديمقراطية مُدمِّرة، وتعني تحطيم وتغيير المعايير الخاصّة بالكتابة، لذا لا تعبثوا بأقلامكم الشقيّة دون حساب، فتقولون "كلها جرّة قلم"، إنّما عليكم أن تعرفوا جيِّدًا أنها محفوفة بمخاطر تعبيرية، أنتم في غنى عنها، لأن الكتابة تعكس شخصيَّة كاتبها.

الفكرة لها عدّة أوجه، وعلى الكاتب نحت الفكرة على ورقته بشكل شامل، حتّى تبدأ ملامحها تبرز، إلى أن تُصبح واضحةً للقرّاء، وأن يزيل عنها قشور أفكار لا تليق بالنّشر، من هنا الصحف التي تحترم نفسها لا تنشر مقالات أو أشعار لبعضهم، لأنهم كتبوها بلا رقيب ذاتي، لذلك أقول إن الكتابة الجادّة ليست مجرَّد "زَت كلام"، بل أعتَبِرها مسؤولية عظيمة وكبيرة تقع على الكتّاب، لأن الكلمة هي التي تُجَمِّل الفكرة، تُسوِّقها إلى تفكيرهم على شكل جملة تعبيريَّة، إمّا أن تكون صحيحة أو تحريضيَّة، وألّا يتركوا الكتّاب تهذيب الفكرة بالشكل الصحيح، لمزاجية أقلامهم.

الكاتب وحده قادر على مراقبة الكلمة قبل أن تتسلّل خارج حدود أفكاره، وبعد ذلك القرّاء يُقيِّمون إعجابهم بمقالته أو قصّته، ففي حال كان متمرِّسًا، عليه الاعتياد على سماع الكلام الناقد، نقيض الإعجاب، وهذا أمر طبيعي، وأن يستوعب ما يقولونه برحابة صدر، لأن الكلمة الصّادقة تصمد في وجه زوابع النّقد اللاذع، قادرة على حماية الفكرة المطروحة من خلال النَّص الحقيقي.

الزّمن لا يحدّد للكاتب متى يقول كلمته، إذ يمكن لظروف العصر أن تساهم في تفشّي بعض الظّواهر السّلبية في المجتمع، وهذا الأمر خارج عن إرادته، فتُصيب كافّة فئاته. يجب ألّا يَكتب عن أيّة ظاهرة، إن لم يلمس أثرها السلبي على النّاس، ومدى تأثيرها على تصرّفاتهم، فإذا كانت الظّاهرة عابرة، ولم تترك ردود فعل غاضبة، ستزول تلقائيًا، أما إذا اشتُمّ أنها تحتل حيّزًا كبيرًا من المجتمع، عندها لا بد للكاتب أن يقول كلمته بلا تردُّد، وأن يجهّز ورقته وقلمه من أجل منازلة كل آفة، لمنع انتشارها قدر استطاعته، بالنقد البنّاء، والتّوعية الاجتماعية، حتّى لو كان في مقاله لذع وسخرية.

الكلمة خطيرة جدًا لسبب بسيط، إذ يمكنها أن تُغير مفاهيم أي مجتمع يعيش فيه الإنسان، ممكن أن تقلب أنظمة حُكُم. كم من كلمة أثّرت في تاريخ الإنسانية، صنعت المعجزات في سبيل إنقاذ الآخرين... هدّأت النفوس المتوتّرة... جلبت الاستقرارين الاجتماعي والسياسي... أنعشت نفسية اليائس، أيضًا الحرف قد يُغيِّر فحوى أي مستند رسمي أو غير رسمي، فيؤدّي إلى أزمة بين المؤسَّسات وحتّى بين الحكومات أو الدُّوَل.

عندما تُفجِّر الكلمة طاقات الإبداع الموجودة في أعماق الكاتب، ستتدفّق منه بانسياب، إنّما عليه أن يسيطر على ثوران كلماته، لأنها قد تخلق فوضى عارمة، وبالأخص اليوم في ظل "حريَّة التعبير الجديدة!" التي تستمد جرأتها من منصّات المناقشات غير المنضبطة، وقد باتت "حلبة مصارعة إعلاميَّة"، لها مؤيِّدون ومعارضون، يجلسون على مُدَرَّج الإثارة المفتوح للنقاش الحاد، وأحيانًا كل شخص "يضطَّر" أن يُفرِّغ بذاءاته التعبيريَّة بلا حياء، يذمّ هذا، ويشتم ذاك بشكل غير مقبول، لأنه لا يستطيع كبت "انزعاجه" أكثر، فيُعبِّر عن "موقفه الصَّريح"، فنحت الأفكار جيِّدًا، يجب أن يشمل الفيسبوك، لأن الكلام الذي ينشره فيه إساءة مقصودة، لإثارة القلاقل، وتأثير هذه الطُّقوس الحديثة، أشدُّ وقعًا على النُّفوس من مقالات الصُّحُف... 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment