محمد علي بين الوطنية والطموح – مؤسس أم مستبد؟

10/24/2025 - 10:33 AM

Atlantic home care

 

 

 

بقلم: حمدي عفت

 

في التاريخ لحظات تتجسد فيها المفارقة، ورجال يجتمع فيهم النور والظلال في آنٍ واحد. ولعلّ محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، كان أحد أولئك الذين يصعب تصنيفهم في خانة واحدة؛ فهو الحاكم الذي حمل مشعل النهضة، والمستبد الذي قبض على البلاد بقبضة من حديد.

جاء محمد علي إلى مصر جنديًا ألبانيًا في جيشٍ عثماني، لا يحمل رسالةً ولا حلمًا مصريًا، بل يسعى إلى ترسيخ قدميه في بلدٍ غريب.

لكن الأيام كشفت له ما لم يكن يدركه: أن مصر أرضٌ خصبة للحكم والمجد، وأن من يحكمها يستطيع أن يكون سيد الشرق كله. فبدأ مشروعه الكبير، لا بحدّ السيف وحده، بل بحدّ العقل والإدارة.

أقام جيشًا حديثًا، وأنشأ المصانع والمدارس، وأرسل البعثات إلى أوروبا، وحوّل مصر من ولايةٍ منسية إلى دولةٍ يُحسب لها حساب في الشرق والغرب.

قد يُقال إن محمد علي لم يكن مصريًا، ولم يكن وطنيًا بالمعنى العاطفي للكلمة، لكن أفعاله كانت تصبّ في مصلحة الوطن؛ فقد رأى أن قوته لا تقوم إلا بقوة مصر، وأن مجده لا يُبنى إلا على مجدها.

ومن هنا جاءت إصلاحاته الزراعية والصناعية والتعليمية، وجيشه الذي لم يعد جيش مماليك بل جيش أبناء الفلاحين. لقد كان وطنيًا من حيث النتائج، لا من حيث النوايا. فالوطن عنده لم يكن هدفًا في ذاته، بل وسيلةً لبناء مجده الشخصي. لكن من يتأمل وجهه الآخر، يجد الحاكم الذي لا يرى في الشعب شريكًا بل أداة.

فرض الضرائب القاسية، وجنّد الفلاحين بالقوة، وحوّل الاقتصاد إلى احتكارٍ تديره الدولة وحدها. حتى العلم الذي دعا إليه، كان موجّهًا لخدمة الدولة لا لتحرير العقل. بنى صرحًا عظيمًا، لكنه أقامه على إرادةٍ صامتة.

كانت مصر في عهده تنمو، لكن الحرية كانت تموت ببطء.

حين مات محمد علي سنة 1849، ترك وراءه دولة قوية وجيشًا صلبًا ومؤسسات حديثة، لكنها كانت تعتمد على شخصه وحده.

فلما غاب المؤسس، بدأت مملكته تتفكك كما يتفكك البنيان حين يُنزَع منه العمود. كان رجلًا سبق عصره في الفكر، وتجاوز شعبه في القوة،

لكن طموحه تجاوز وطنيته، فبقي بين صورتين: زعيمٌ أنقذ مصر من الركود، ومستبدٌّ جعلها رهينة سلطته.

تاريخ محمد علي هو مرآة تسألنا نحن قبل أن نحكم عليه: هل نفضّل الحاكم الذي يبني دون حرية، أم الحرية التي لا تبني شيئًا؟

ربما كان درسه الأكبر أن النهضة لا تقوم على فردٍ، بل على وعي أمة تعرف كيف تبني وتختار وتراقب.

أما هو، فقد أراد أن يكون سلطانًا على العثمانيين، فانتهى به الأمر مؤسسًا لدولة ستبحث طويلًا عن نفسها بعده.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment