صنع الله إبراهيم في ماسبيرو!

10/23/2025 - 19:02 PM

Your Ad Here

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

عندما رحل الروائي صنع الله إبراهيم في الثالث عشر من أغسطس الماضي حفزتني صديقتي الإعلامية المعروفة لميس الحديدي للكتابة عنه، خاصة وأن هناك ذكريات مشتركة جمعتنا بالأديب الراحل، حيث أجرت لميس حوارا "يتيما" معه للتلفزيون المصري، وكنت آنذاك رئيسة تحرير برنامج "اتكلم". وقد استلزمت الكتابة عن العظيم صنع الله العودة إلى "أجندة" شخصية، وهي تاريخية بالنسبة لي، وتضمّ ملاحظات عن عدد من الحوارات المهمة في ذلك الوقت. وعندما وجدتها مؤخرا عادت الرغبة للكتابة عن هذا الروائي الاستثنائي وقامة من قامات الإبداع الأدبي لجيل ذهبي.

أول ملاحظة سجلتها مرتبطة بالحصول على الموافقة لإجراء حوار لتلفزيون الدولة مع شخصية يسارية معارضة، كانت استضافتها حلما بالنسبة لنا في ذلك التوقيت المليء بالتحديات، وأظنها كانت كابوسا للقائمين على الإعلام. وكان الحصول على الموافقة من وزير الإعلام أنس الفقي، بمثابة الانتصار. ولم يحصل على شكر في المقابل، لكني اليوم أشعر بأني مدينة له بالشكر لأن الانتصار كان لكلينا. وأتمنى إعادة بث المقابلة لأنها تاريخ مهم ونادر محفوظ في مكتبة ماسبيرو.

أما الانتصار الثاني –وكان الأصعب على غير المتوقع-فهو قبول صنع الله إبراهيم إجراء الحوار. وقد ساعدني في ذلك أستاذي الكاتب الصحفي سعد هجرس. كان صنع الله متشككا جدا في إمكانية خروج الحوار بالشكل الذي يرضيه. لكن النتيجة كانت أفضل من توقعاته لأنه قال كل ما يريده بدون رقابة كما وجد في لميس كمحاورة بنفس القوة والجرأة عند الحديث عن الأدب كما هو الحال عند الحديث عن السياسة والاقتصاد. وقال على طريقته المقتضبة في التعليق "البنت دي طلعت هايلة ". كانت لميس في أوج شبابها مع بداية الألفية الثانية، معروفة بشراستها وميزتها المذهلة في التحضير لأي لقاء. ولا أبالغ عندما أذكر أنها تصر على قراءة كل إنتاج الضيف من كتب وأبحاث، أو حتى روايات ودواوين عندما يكون من خارج تخصصها الاقتصادي. أما أنا فكنت من مدرسة السؤال القوي والمباغت الذي قد يكون أهم من الجواب أحيانا.

من الملاحظات الأخرى المدونة عندي تلك المفارقة في مشوار صنع الله إبراهيم كروائي وهو شهرته التي تحققت من خلال النقد الأدبي لرواياته التي لم تطبع ولا تباع في المكتبات. كانت رواية "تلك الرائحة" قد منعت قبل توزيعها في عام 1966، وقد سجل فيها شهادته عن عالم السجن الذي دخله بسبب انخراطه في الحزب الشيوعي السري (حدتو)، وقضى فيه خمس سنوات بين عامي 1959 و1964، من أصل سبع سنوات بناء على حكم محكمة عسكرية. لكنه تمكن قبل مصادرتها من إخفاء عدد قليل من النسخ، وزعها على نقاد الأدب في مختلف الصحف، وعرضوا قراءة نقدية إيجابية لرواية غير معروفة في المكتبات. وكانت رواية تلك الرائحة أيضا موضوعا في رسالة الماجستير للطالبة آنذاك سامية محرز، أستاذة الأدب العربي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وذلك في بداية سبعينيات القرن الماضي، قبل عقدين من طبع الرواية وتداولها في المكتبات.

مفارقة أخرى في سيرة صنع الله إبراهيم تناولها الحوار وهي أن السجن مثل بالنسبة له فترة ازدهار وتأثيث زاده الأدبي مما ساهم في صناعة أدب فاخر. فقد استفاد من وجود مكتبة سرية ضخمة ومتنوعة في السجن ونهل منها أهم الروايات في الأدب العالمي والنظريات النقدية، وتعلم إجادة أربع لغات.

هناك مفارقة شخصية أخرى تمثلت في انتمائه الطبقي للأغنياء والفقراء معا، وهي خلطة غريبة حيث نشأ في عائلة غنية كانت ترفضه منذ ولادته عام 1937، وكانت والدته ممرضة لزوجة والده الأولى المصابة بالشلل. ونشأت علاقة حب رومانسية بين والدته الفقيرة التي ينظر إليها بازدراء في عائلة والده وهو الموظف الحكومي رفيع المستوى، ولم ينج الطفل صنع الله من التنمر والاحتقار.

هناك مفارقة أيضا في تكوينه الشخصي المخضرم الذي يجمع بين تيارات عديدة بعضها متناقض، مثل الماركسية والقومية. وقد دافع عن القومية وفترة عبد الناصر رغم سجنه خلال حكمه. وكان يعتبره صاحب مشروع وطني عظيم للتحديث غير موازين القوى الإقليمية. لكنه يتحدث بألم عن لحظة فارقة وهي حرب الأيام الستة والنكسة التي أطاحت بخطط ناصر، ثم فتحت بعد ذلك الباب للأمريكيين ونفوذهم السياسي في المنطقة. وكان ناقما على الاستعمار ولكنه منجذب إلى سحر الغرب وثقافته ونهل منها خلال عمله في برلين عام 1968 لمدة ثلاث سنوات صحفيا في القسم العربي بوكالة الأنباء الألمانية، بعد تركه لوكالة الأنباء المصرية الرسمية.

كما نهل من الأدب والثقافة الروسية بعد تعلم اللغة عندما انتقل إلى الاتحاد السوفياتي من ألمانيا ليدرس صناعة الأفلام في موسكو. وقد لا يعرف كثيرون أن صنع الله عمل مع واحد من أبرز المخرجين السوريين والعرب في العقود الخمسة الأخيرة، وهو المخرج محمد ملص، ولديهما فيلم تسجيلي عن السجناء السياسيين المصريين. ولكن كاتبنا الكبير سرعان ما اتجه مجددا إلى كتابة الروايات. وشهدت موسكو ولادة رواية "نجمة أغسطس" والتي استكملها بعد عودته للقاهرة، وكانت مستوحاة من الفترة التي أمضاها في أسوان بالقرب من السد العالي، على إثر إطلاق سراحه من السجن عام 1964. ودارت أحداثها حول الحياة اليومية للعمال أثناء بناء السد وعلاقة الصراع مع رؤسائهم.

وقد دونت ضمن الملاحظات قصة الثلاجة ماركة إيديال، مصرية الصنع، والتي اشتراها عندما تزوج في عام 1974 وهو العام الذي كتب فيه رواية "نجمة أغسطس". ذكرت تلك الملاحظة العابرة للميس وكيف احتفظ بها ثلاثة عقود؛ كنت قد لمحتها في الردهة خارج المطبخ عندما زرته في شقته بالطابق السادس في حي مصر الجديدة لإعداد الحوار، قال لي ضاحكا حينئذ إنها من بين مشترياته لتجهيز منزل الزوجية. وهنا شطارة لميس في توظيف كل ما يخدم الحوار. سألته عن الثلاجة. ابتسم والتقط الخيط ليتحدث عن رمزية الثلاجة كإشارة للصناعة الوطنية والفخر بتلك البدايات، قبل أن تدخل الشركات متعددة الجنسيات وتحاول الهيمنة بشكل او بآخر على الاقتصاد المصري. وصنع الله ليس رافضا للاستثمار العربي أو الأجنبي، لكنه انتقد التراجع في الصناعات المحلية لحساب الأجانب دون استفادة حقيقة من ذلك، بل كان يعترض على تحويل الصناعات المحلية المبكرة في إنشائها إلى مجرد وكلاء في خدمة الشركات الأجنبية، بدلا من تعظيمها.

وسألته لميس عن روايته "اللجنة" الصادرة عام 1981 التي ضمنها أفكاره الاقتصادية. ذكر كيف استخدم تقنية القصاصات من الصحف لتضمينها في الرواية لتوضيح دور الشركات متعددة الجنسيات وما تحمله من سلطة خفية للتحكم في اقتصاديات الدول وبناء نفوذ لها داخلها؛ فهي تستطيع تغيير قوانين ومسئولين وهز البورصة إذا قررت الخروج وإعطاء درس باهظ للحكومات. كانت المقابلة صعبة ولكنها ممتعة ومليئة بالفكاهة "السوداء" التي تعد من نقاط قوة هذا الكاتب الذي أعتبره "غولا" في إدارة ناصية الحوار حيث يحافظ على ثباته ورصانته ولا يرتبك ولا يهتز أمام محاورة عنيدة تعرف إلى أين تأخذه، لكنه قادر على توصيل الرسائل بقوة من بين السطور والكلمات. ويخفف من حدة الرسالة فيسخر من الازدحام الذي سببه لزوجته في المنزل بأكوام القصاصات التي يقصها من الصحف ويحتفظ بها.

ربما لا يعرف كثيرون ان صنع الله إبراهيم عمل أستاذًا زائرًا للأدب العربي المعاصر في جامعة كاليفورنيا في بيركلي وجامعة بوردو في فرنسا، وهي تجارب خصبة لم تأخذ حقها في الكتابة عن مشواره وإثرائه من خلال التعامل مع الثقافات الأخرى رغم وجود صدى لها في شخصية الدكتور شكري بطل رواية "أمريكان لي" الذي يدرس التاريخ المقارن في سان فرنسيسكو.

من الملاحظات أيضا حول مشواره عدم اقتصاره على الرواية السياسية بل كان سابقا لعصره في مجال الكتابة البيئية ولديه مجموعة من الكتب في هذا التخصص تتناول سلوك الحشرات والزواحف، مثل العقارب والعناكب والنمل. تحدث عن هذه الهواية التي اكتسبها في السجن بينما كان يمضي وقتا طويلا يتأمل هذه الكائنات ويسميها "مستعمرات الحشرات". ويفسر اهتماماته التي تبدو غريبة بأن هناك رابطا يجمع بينها وهو محاولة فهم أنظمة الحياة المعقدة وربما استخدام رمزي ينعكس على عالم السياسة والعلاقات بين الدول.

أتذكر لقاءين معه للتحضير للحوار أولهما في أتيليه الفنون الخاص بزوجته الراقية نادية، التي أحبّها وسمّى ابنته أيضا على اسمها. والحقيقة أني كنت أهابه لأنه مختلف عن أبناء جيله الذي أقابلهم في مقهى ريش أو أتيليه القاهرة. أخذت انطباعا خلال اللقاءين بأنه ليس اجتماعيا وربما انعزاليا، ثم سرعان ما شعرت بأنه صديق، وتراجع أثر نظرات عينيه الحادتين اليقظتين وكأنهما تقفزان لتفتيش أفكار محدثه من خلف نظارة كبيرة أصبحت هي البطلة في ملامح وجهه، وقد حولها إلى فكاهة عن نفسه قائلا بطرافة إنها قد منحته لقب الزعيم الهندي مهاتما غاندي!

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment