واشنطن بين الواقعية والضغوط في قمة بودابست

10/22/2025 - 17:09 PM

Your Ad Here

 

 

  د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

بنظرة تحليلية واقعية تعتبر روسيا جزء لا يتجزأ من التاريخ الأوروبي على مدار 600 سنة، لكنها تنفرد بحجمها الكبير، وهي أيضا جزء لا يتجزأ من آسيا والشرق، فهي بين رغبتها تاريخيا في أن تصبح دولة أوروبية، وبين خوفها من أن تتفوق عليها أوروبا، وخوف أوروبا في نفس الوقت من حجم روسيا، وفي نفس الوقت خوف أمريكا من التحالف الروسي الأوروبي الذي يجعل أوروبا أقل حاجة إلى الولايات المتحدة، لكن حالة العجز بسبب مواجهة الغرب لروسيا سيجعلها في إطلاق توترات جديدة، وهو ما يجعل السعودية ترفض التمحور وتتجه نحو إقامة علاقات مع الجميع، وشجعت الرئيس السوري زيارة روسيا لتطبيع العلاقات للحفاظ على وحدة سوريا، وكذلك زيارة الشرعية اليمنية لروسيا حتى لا يحصل الحوثي على دعم روسي.

منذ حرب السويس1956 أثبتت الولايات المتحدة أنها القوة العظمى بأنها لا تسمح لأحد في اللعب في ساحة الشرق الأوسط، ومنذ ذلك الوقت المانيا مقسمة بين القوتين فيما اختارت فرنسا أن تقف معارضة لأمريكا في أوروبا، بينما اختارت بريطانيا التحالف مع الولايات المتحدة، بل خرجت من الاتحاد الأوروبي، لكن بعدما توحدت ألمانيا بعد نهاية الحرب الباردة أصبحت الاقتصاد الأقوى في أوروبا، وفي زمن ميركل حاولت تعزيز علاقتها بروسيا للحصول على الغاز الرخيص لتعزيز الصناعات الألمانية فأنشأت ستريم 2 عبر بحر البلطيق مما أزعج الولايات المتحدة التي كانت سبب في رفض إعطاء روسيا ضمانة بعدم توسع الاتحاد الأوروبي نحو الشرق التي كانت سبب في شرارة تلك الحرب.

ترمب رئيس أمريكي لكنه يختلف عن الرؤساء الأمريكيين، فهو يدرك إرث فيتنام وبقية الحروب في أفغانستان والعراق وغيرها، ولا يمكن ان تبقى الصين بحجمها الضخم خارج النظام العالمي، وإذا لم تقبل الولايات المتحدة بعودة تايوان للصين فلن تقبل الصين أن يتم نزع سلاح كوريا الشمالية، ومع تعاظم قوة الصين تمتلك القدرة على تهديد سيطرة الولايات المتحدة على التقنيات الحديثة في عصر الطاقة النووية.

لذلك تسعى بعض الدوائر السياسية الأميركية لتكرار نجاحات كيسنجر مع الصين عبر التقارب مع روسيا لموازنة صعود الصين، فهي فكرة غير قابلة للتحقق على غرار الانفتاح الأمريكي على الصين عام 1972 في عهد نيكسون، في ظل الشراكة الاستراتيجية العميقة وتقارب المصالح الاستراتيجية والاقتصادية بين البلدين، لكن هناك مسؤولون يرون أن تعيد واشنطن تحقيق التوازن في علاقتها مع روسيا، لأن من مصلحة الولايات المتحدة الاستراتيجية الدائمة ألا تحول دون ازدياد عمق التحالف بين موسكو وبكين، ويبدو أن ترمب يتبع هذا النهج ويؤمن به وتقبله، يسمى بنهج كيسنجر المعاكس وهي ذريعة مثالية لتودد ترمب لبوتين تقنع الأمريكيون الذين يكرهون بوتين، لكن بهذا التودد يقنع ترمب الكارهين لبوتين بأنه سلوك براغماتي وواقعي سياسي، ولا تعني المقاربة كما في سبعينيات الحرب الباردة مغلوطة، الذي استغلت الولايات المتحدة في ذلك الحين الانقسام العميق بين موسكو وبكين، أما اليوم فلا يوجد مثل هذا الانقسام، بل بالعكس أصبحت بكين وموسكو شريكين استراتيجيين يريان في الولايات المتحدة التهديد الأكبر.

تتجه الأنظار إلى العاصمة المجرية بودابست التي يفترض أن تحتضن اللقاء بين الزعيمين، ولا تزال الخلافات قائمة حول إمكان إنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا بعد مكالمة هاتفية مطولة بين الرئيسين ترمب وبوتين، ورغم الموقف الروسي المتشدد فإن نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض أنا كيلي قالت إن الرئيس ترمب يعمل باستمرار على إيجاد حل سلمي ودبلوماسي لإنهاء الحرب العبثية ووقف إراقة الدماء وأن الإدارة ملتزمة بالسعي نحو تسوية واقعية تعيد الاستقرار إلى أوروبا.

يسمي لافروف وزير خارجية روسيا الغزو الروسي لأوكرانيا بالعملية العسكرية الخاصة بأنها تسير وفق خططها وأنها ستكتمل بنجاح، واعتبر وقف إطلاق النار في حد ذاته لا يعني السلام، وقال نريد تسوية دائمة تعترف بالواقع الجديد على الأرض، فيما الأوربيون يعتبرون قمة بودابست ستكون اختبارا لقدرة ترمب على دفع موسكو إلى تنازلات رمزية على الأقل.

يريد ترمب منذ وصوله إلى البيت الأبيض تبني نهج الصفقة الواقعية بدلا من المواجهة الطويلة، لأن ترمب يرى أن استمرار الحرب بلا أفق سياسي يضعف صورة القيادة الأميركية ويستنزف مواردها، وقد تختار أدارة ترمب تجميد خطوط القتال الحالية قد يكون الخيار العملي الوحيد على المدى القريب، وطالب ترمب بوقف الحرب عند خطوط الجبهة لأن استمرارها يجعل الحل مستحيلا، ويعتبر ترمب أن أوكرانيا بإمكانها ان تنتصر ولكن عبر السلام الذكي، لكنها تثير انقساما داخل واشنطن، لأن بعض الجمهوريين يرونها خطة لإنقاذ روسيا، لكن جناح آخر يرى انها الطريق الوحيد لتجنب حرب أوروبية طويلة.

وفي مقابل الدعوات الأوروبية لإعلان هدنة مؤقتة، ودعمهم لجهود ترمب وفكرته لتجميد الصراع مؤقتا، باعتبار أن خطوط التماس الحالية في أوكرانيا يجب أن تكون نقطة بداية لمفاوضات سلام محتملة، ووقع رؤساء بلدان بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا لا بديل عن الالتزام بمبدأ عدم تغيير الحدود الدولية بالقوة، لكن تصر موسكو على تمسكها بالإطار الذي رسمته التوافقات التي خرج بها بوتين وترمب في قمة الأسكا، مجددة رفض أي هدنة مؤقتة، وأن وقف إطلاق النار دون معالجة الأسباب الجذرية للصراع تتناقض مع الاتفاقات التي توصل إليها الرئيسان الروسي والأميركي في الأسكا في مدينة أنكوريج عندما اتفقا على التركيز على الأسباب الجذرية.

موسكو تعول كثيرا على أن الأوربيون يفتقدون الثقة في الولايات المتحدة بالتزاماتها بموجب المادة الخامسة من معاهدة واشنطن في حال اندلاع خرب مع روسيا، وأن حلفاء الناتو الأوربيين يستعدون للحرب مع روسيا وقد تم تزويد قوة الردع السريع التابعة للحلف بجميع الموارد اللازمة بسرعة، وبدأت عملية زيادة الإنتاج الصناعي العسكري الأوروبي بشكل كبير، وتم تنظيم مناورات التعبئة والحملات الدعائية حول عدوان موسكو الحتمي المزعوم.

لذلك يرى مراقبون أن مستقبل الحرب الروسية الأوكرانية لم ينضج نحو الحل، بل هو مقبل على ثلاثة مسارات رئيسية، إما تجميد مؤقت للقتال من دون تسوية شاملة التي تعتبرها واشنطن خطوة واقعية، وهو ما تخشاه موسكو، والمسار الثاني تسوية جزئية تشمل تنازلات حول دونباس وهو السيناريو الذي ألمح إليه ترمب حينما قال أن المنطقة تترك مقطعة كما هي وهو ما يرفضه الأوربيون، فيما المسار الثالث فشل المفاوضات وعودة التصعيد، تبدو واشطن في سباق مع الوقت لإثبات أن مبادرتها ليست مجرد عرض سياسي بل خطوة جادة نحو إنهاء حرب استنزفت الجميع، فهل تنجح دبلوماسية ترمب في فرض تسوية؟.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا

 [email protected]

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment