بيروت ودمشق بين الأمس واليوم: نهاية الهيمنة وبداية الحسابات المتبادلة

10/22/2025 - 11:03 AM

Your Ad Here

 

 

 

إعداد جورج ديب

 

لطالما كانت العلاقة بين لبنان وسوريا واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا وتشابكًا في الشرق الأوسط، حيث امتزجت فيها الجغرافيا بالتاريخ، والسياسة بالأمن، والهيمنة بالتفاوض. من زمن الوصاية العسكرية إلى مرحلة التفاوض السياسي، مرّت هذه العلاقة بتحولات حادة، لا تزال ترسم ملامح الواقع اللبناني حتى اليوم.

الوصاية والانفجار السياسي

دخل الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، بعد عام على اندلاع الحرب الأهلية، تحت شعار "حفظ الأمن والاستقرار"، لكن الوجود المؤقت تحوّل إلى وصاية دائمة امتدت حتى عام 2005، حين اغتيل رئيس الوزراء رفيق الحريري، ما أدى إلى خروج القوات السورية تحت ضغط شعبي ودولي غير مسبوق وخلال تلك العقود، تحكمت دمشق بالقرار اللبناني، واعتُبر الرئيس اللبناني "الجيد" هو من يلبّي أجندة النظام السوري، بحسب ما كشفه تحقيق إبراهيم الرز، حيث كانت سوريا تستخدم لبنان كورقة إقليمية في ملفات فلسطينية وعراقية وحتى إيرانية.

التفاوض بدل الإملاء

بعد انسحاب الجيش السوري من لينان عام 2005، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من التفاوض غير المتكافئ. فدمشق، التي تعاني من عزلة دولية وحرب داخلية منذ 2011، لم تعد تملك أدوات الهيمنة السابقة، لكنها لا تزال تحتفظ بنفوذ غير مباشر عبر حلفائها في لبنان، وعلى رأسهم "حزب الله". في المقابل، بدأت بيروت تتعامل مع دمشق كدولة مجاورة، لا كمرجعية سياسية، رغم استمرار التداخل الأمني والاقتصادي، خصوصًا في مِلَفّ اللاجئين السوريين، وتهريب السلع عبر الحدود، وتورط الحزب في الحرب السورية.

من خاصرة رخوة إلى شريك تفاوضي

لطالما اعتبرت سوريا لبنان "الخاصرة الرخوة"، بل وصفته بعض دوائر القرار في دمشق بـ"الغلطة التاريخية"، وفق ما ورد في تقارير تحليلية حديثة. لكن هذه النظرة بدأت تتغير تدريجيًا، خاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد، وبروز أسماء جديدة في دمشق وبيروت، مثل أحمد الشرع وجوزاف عون، ما يعكس تحوّلًا في طبيعة العلاقة من الهيمنة إلى التفاوض.

اللاجئون، التهريب، والتنسيق الأمني

- اللاجئون السوريون: يشكلون عبئًا ديموغرافيًا واقتصاديًا على لبنان، وسط غياب خِطَّة دولية واضحة لإعادتهم.

- التهريب عبر الحدود: لا يزال ملفًا شائكًا، يربك الاقتصاد اللبناني ويغذّي السوق السوداء.

- التنسيق الأمني: يتراوح بين التعاون المحدود والتوتر، خصوصًا في ظل تورط جهات لبنانية في الصراع السوري.

علاقة ندّية؟

رغم كل التحديات، هناك مؤشرات على تحوّل العلاقة إلى صيغة أكثر توازنًا. فلبنان، الذي يسعى إلى استعادة سيادته الكاملة، بات يطالب بتطبيق اتفاقات واضحة، لا وصاية مبطّنة. وفي المقابل، سوريا التي تبحث عن شرعية إقليمية، قد تجد في لبنان شريكًا تفاوضيًا لا مجرد تابع.

العلاقة السورية–اللبنانية لم تعد كما كانت. من زمن الهيمنة العسكرية والسياسية، دخلت مرحلة جديدة من التفاوض، وإن كانت لا تزال مشوبة بالحذر والتوجس. فهل تنجح بيروت ودمشق في بناء علاقة ندّية قائمة على المصالح المشتركة؟ أم أن شبح الماضي سيظل يخيّم على مستقبل الجارين؟.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment