هكذا تعمل "دبَّابات" الڤاتيكان

07/11/2021 - 10:41 AM

Arab American Target

 

 

هنري زغيب

           

للتاريخ أَن يحكُم على ردِّ ستالين "كم دبابةً لديه؟" جوابًا عن سؤَالٍ حول قُدرة الفاتيكان على التأْثير.

صحيح أَن النظرة إِليه كأَصغر "دولة" في العالم (825 نسمة في نصف كيلومتر مربع، بحراسة 135جنديًّا سويسريًّا) لا تقاس بقوَّته العسكرية، بل بسُلطته الممتدة على "أُمَّة" كاثوليكية هي مرجع مليار وثُلث مليار نسمة على كوكب الأَرض.

وبـ "الأُمَّة" هنا هو القول بامتداد بَشَري، لا جغرافي، يعطي هذه الــ"أَصغر دولة في العالم" فاعليتها الروحية والدپلوماسية وشبكةً دولية ضالعة في جميع "أُمم" الأَرض. ومع فرنسيسها الحالي باتت الأَقربَ إِليها صلةً روحية وروحانية: الأُمَّةُ الإِسلامية.

بمفهوم الامتداد البشري ذاته لـ"الأُمة"، عند تشكيل "لجنة تسيير المبادئ والسياسات العامة للأُمم المتحدة" (1945)، كان لبنان بين "50 ممثِّلًا، واحدٍ عن كل "أُمَّة" (والتعبير للأُمم المتحدة)، ثم كان لمندوب لبنان شارل مالك ما بات معروفًا.

وبهذا المفهوم الحضاري وقف أتطوان فتَّال (سفيرًا للبنان فوق العادة لدى الڤاتيكان) في 7 تشرين الأَول/أكتوبر 1977 يقدِّم أَوراق اعتماده إِلى البابا بولس السادس وخاطبَه: "أَعربتُم في كل مناسبة عن عنايتكُم الخاصة بلبنان، ولن ننسى نشاط الكرسي الرسولي لإِعانة "الأُمَّة" اللبنانية على أَن تَخرج من محنتها القاسية... وشجَرُ الأَرز الذي غرسَهُ الرب يَعظُم جُذوعًا ويعلو فروعًا تحت سمائنا".

وبهذا المفهوم كان البابا ذاتُه، قبلذاك، توقَّف سويعاتٍ على أَرض مطار "الأُمَّة" (2 كانون الأَول/ديسمبر 1964) في طريقه إِلى الهند.

وبهذا المفهوم أَصدر البابا يوحنا بولس الثاني الإِرشاد الرسولي "رجاءٌ جديدٌ للبنان" (1991)، ودعا إِلى عقد سينودس خاص بلبنان (1995: وكانت تلك أَول مرة ينعقد سينودسٌ خاصٌّ ببلدٍ معيَّن عوض منطقة من العالم) ثم وَقَّع عليه يوم زار لبنان (1997) وأَعلن لبنان "أَكثر من وطن: إِنه رسالة" لأَنه يَشعُّ على أَرضه وفي العالم فريدًا بكوكبة العائلات الروحية فيه. 

وبهذا المفهوم الواسع لـ"الأُمَّة" وقَّع البابا بندكتوس السادس عشر على السينودُس الخاص للشرق الأَوسط يوم زار لبنان (2012).

وبهذا المفهوم يُقْسِم رئيس لبنان يوم يتولَّى الحُكْم: "أَحلفُ بالله العظيم أَني أَحترم دستور الأُمَّة اللبنانية وقوانينَها وأَحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أَراضيه". إِذًا هي "الأُمَّة" بالمفهوم الواسع لأَبناء الوطن اللبناني أَنَّى هُم.  

وبهذا المفهوم يُدعى المشرِّعون في البرلمان "نوَّاب الأُمَّة" بما تُمثِّله "الأُمة" من عطاء وعطايا.

وبهذا المفهوم يتعامل البابا فرنسيس اليوم مع "وطن الأَرز" بالمعنى الأَوسع لـ"الوطن" (إِرثًا حضاريًّا عظيمًا) ولــ"الأَرز" (إِرثًا تاريخيًّا من عُمر الأَرز منذ الكتاب المقدس).

ولبنان الذي دعا البابا فرنسيس إِلى الصلاة من أَجله "كي يَخرُج من أَزمته الخطيرة ويُظهِرَ للعالم وجهَه - وجهَ السلام والرجاء" هو لبنان "الأُمة" المتفرِّعة موهوبين في كل العالم، لا لبنان دولةٍ دمَّرها أَولياءُ سُلطتها عهدًا بعد عهدٍ وحُكْمًا بعد حُكْمٍ وجيلًا سياسيًّا بعد جيل.

هذا هو لبنان المطروحُ اليوم على العالم إِنقاذُهُ من حكَّامه النيرونيين اليوضاسيين، وهذه هي رسالة الڤاتيكان (في الأَول من تموز) إِلى دول العالم لإِنقاذ "وطن الرسالة"، وخلاص اللبنانيين بجميع عائلاتهم الروحية، لا المسيحيين الذين ينادي مدَّعون باستعادة حقوقهم.

عمل الڤاتيكان ليس سياسيًّا بل وطنيٌّ حيال "الأُمَّة" اللبنانية الممتَدَّة من أَرضها إِلى كل الدنيا.

وها عملُهُ - لدى دوَل العالم المعنيَّة - بدأَ يُثمر بفضل "كرسيٍّ رسوليٍّ" لا تقاس فاعليتُه بعدَد دبَّاباته.

[email protected]

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

* يَصدُر هذا النص في "بيروت تايمز" تَوَازيًا مع صُدُوره في جريدة "النهار" - بيروت.

 

 

* الكتابات والآراء والمقابلات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار والبيانات والاعلانات عامة لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين فيها حصراً.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment