نحو إعادة إحياء "الجبهة اللبنانية"

07/10/2021 - 10:55 AM

Bt adv

 

بسام ضو

 

يؤدي العالم السياسي دورًا بارزًا في زيادة وعي المجتمعات التي ينتمي إليها، فهو من ناحية يعكُس ثقافة المجتمع وهويته ومن ناحية أخرى يُشكِّلْ أحد أهم العوامل التي تُسهم في تحديد وتنوير أراء المواطنين تجاه الوطن وتجاه الأراء الأخرى وتفسيره للظواهر المختلفة. لقد كان رجالات السياسة في لبنان رجال مواقف ومبادىء وأصحاب رؤوس مغروسة في السماء لا تُساوم ولا ترواغ ولا تتلكأ ولا تنحني أمام الصعوبات ولا تتبدّلْ ولا تبيع ولا تشتري ولا ترهن وطنًا بكامله مع مؤسساته وشعبه على ما تفعله اليوم الطبقة السياسية الحاكمة.

لقد كان رجالات الساّسة في الماضي أهم أدوات الضبط السياسي الذي مورس في أيامهم تجاه الدولة وسياتها التّامة والمطلقة وكانوا يُعدّون في المجتمع اللبناني والمجتمعين العربي والدولي من الركائز الأساسيّة للجمهورية اللبنانية، وأيضًا عامل أساسي ومهم في المُساعدة على المحافظة على الدولة والإستقرار فيها... وكانوا الوسيلة الغيورة للتواصل بين الدولة ومواطنيها ومن خلالهم تقوم الدول بشرح وجهات نظرها تجاه القضية اللبنانية حيث كانوا يُجاهرون بالمحافظة على لبنانيتهم وقوميتهم اللبنانية والعربية في كل المحافل الدولية.

إنّ الملامح العامة لأي سياسي ولأي مرجعية سياسية يمكن التعرف عليها من خلال قراءة عناصر تكوينها إجتماعيًا وثقافيًا وفكريًا وقيميًا وعلميًا، مع الأخذ بعين الإعتبار الجانب التاريخي والتراثي بكل ما يتضمنهما من أعمال ونشاطات، فهي تعتبر ظاهرة طبيعية ومعروفة تعيشها جميع شعوب العالم دون إستثناء. والقادة السياسيّون كأي قادة في العالم مرّوا بمراحل تطور طبيعية صاغت ملامح شخصيتهم الوطنية وواجهوا كذلك العديد من التحديات والتحولات والتي شكّلت بعضًا من ملامحها خصوصًا عندما تفاعلوا معها بجدية ورصانة من خلال الإستجابة الواعية المدركة لأهمية الحفاظ على المنجزات والبناء عليها وإحتواء المتغيرات ضمن الأطُرْ القانونية والدستورية...

ومن المتغيرات التي مرّ بها رجال السياسة في لبنان حالهم حال باقي الدول حيث عملوا على إحترام بعضهم البعض وعملوا أيضًا على إمتصاص غضب الناس وعلى سبيل المثال ولا الحصر: كميل شمعون - ريمون أده - بيار الجميل - بشير الجميل - أمين الجميل - الأباتي شربل القسيس - الأباتي بولس نعمان - إتيان صقر - جبران التويني - كمال جنبلاط - وليد جنبلاط - المفتي حسن خالد - الرئيس الشهيد رفيق الحريري وغيرهم من عظماء الأمة اللبنانية وطبعًا ينحصرون بالعمالقة فقط ولا بمن هم اليوم في مصافي المرتهنين ومُجيّري السيادة ومُدعي المحافظة على الحقوق التي ضاعت بسبب سوء أدائهم وإرتهاناتهم...

 إنّ مرحلة نشوء الجبهة اللبنانية برئاسة الرئيس كميل شمعون وعضوية بيار الجميل وإدوار حنين وفؤاد إفرام البستاني وشارل مالك وغيرهم من عمالقة الفكر اللبناني هي بالنسبة إليَّ وهذا الأمر لا يُلزم أحدًا من أخصب المراحل وهي كانت مرحلة العطاء وكانت الثروة الثمينة التي لا تعوّض... وكانت تاج وعز الوطن في مرحلة خطرة من المراحل السياسية والأمنية التي مرّت على لبنان وهدفها كان السعي إلى إيجاد مجتمع واعٍ لإمكانيات وحقوق الشعب اللبناني وكانت المدماك الأساسي لتحقيق الحقوق والإعتراف بقدسية القضية اللبنانية وبالدور المميّز لكل المكونات اللبنانية التي لها كامل التأثير على الحياة السياسية اللبنانية.

وفقًا للعلم السياسي وفي الديمقراطيات الراسخة تقدم المجموعات الفكرية على تشكيل ائتلافات بهدف زيادة قدرتها التنظيمية والتنافسية في العمل السياسي ومناصرة الاصلاحات الديمقراطية وزيادة تأثيرها على عملية وضع السياسات وإستخدام مواردها الفكرية بفعالية متزايدة والتوصل إلى ممارسة السلطة على قاعدة ما تم وضعه في مقدمة الدستور حيث الشعب هو مصدر السيادة وصاحب القرار يُمارس عمله السياسي عبر المؤسسات الدستورية الشرعية.

الإنحطاط السياسي شعور يُدمي قلوبنا على ما نحن عليه وخصوصًا عندما نعاشر طبقة قيادية علمانية وروحية مُصابة بالفشل والإنحطاط العملي السليم . فالفكر السياسي لا يمكن له أن يتخلص من آفة الإنحطاط طالما ما زلنا نتحدث عن بديهيات من المفترض أنه قضى عليها الزمن... المشكلة اليوم في بعض من يجتمعون أنهم كثيري الكلام وقليلي الفعل، ولعل تلك المشكلة

هي التي تجعل من عملنا السياسي يعيش في مرحلة الإنحطاط الفكري السياسي... إنهم لا يعملون بقدر ما يتحدثون، ولو عملوا بقدر ما يتحدثون لكانوا اليوم من هم على طاولة المفاوضات لا قادة رأي مرتهنين مسلوبي الإرادة منتحلي صفة ممثلي الشعب... إنّ الشعب اللبناني يمتلك عقولاً ناضجة نيّرة ذات بصر وبصيرة ولكن للأسف لا يتُّمْ الإعتماد على هذه العقول بل يتم الإعتماد على العقول المغلقة وهي التي جعلت منا اليوم شعبًا فقيرًا متسولاً متشردًا... اليوم الإجتماعات التي يرفدنا بأجوائها ممثلين عنّا أو أصدقاء لنا غالبًا ما تكون غير منتجة وهذه هي السمة البارزة في تلك الإجتماعات ولعل هذا هو إنعكاس طبيعي لما يحدث من فوضى عارمة في كل المراكز السياسية والدينية...

إنّ حاجتنا كمناضلين شرفاء وكمنضوين في صفوف المناضلين الشرفاء لمثل إعادة إحياء " الجبهة اللبنانية " أضحت مسألة مُلحّة في زمن تشرذمت فيه الدولة وباتت دويلات وبين جماعة سياسية وميليشيات ترهن الدولة وتستبيح مقدراتها وحدودها وتوالي الخارج. إننا كمواطنين لم نشعر بحماية الدولة لنا من الأخطار الداخلية والخارجية ومن أطماع الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أطبقت على مؤسسات الدولة بواسطة وكيلها الشرعي في لبنان وسيطرت على كل مفاصل الدولة الشرعية بدءًا من رئاسة الجمهورية الى رئاسة الحكومة والمجلس النيابي إلى باقي المؤسسات... وفي ظل غياب الحلول الواقعية لا بُدّ من إعادة إحياء " الجبهة اللبنانية" ولإعادة تنظيم الصفوف وإيصال الممثلين الشرعيين إلى المجلس النيابي للبدء في بناء دولة عادلة قوية ومستقلة.

وللبحث صلة...

 

*كاتب وصحافي لبناني

 

* الكتابات والآراء والمقابلات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار والاعلانات عامة لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين فيها حصراً.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment