كتب الباحث السياسي بسام ضو
رسالتي الأولى إلى صاحب الغبطة الكردينال مار بشارة بطرس الراعي الكُلّي الطوبى
صاحب الغبطة، المارونية السياسية تلك المنظومة السياسية المتخذة وضع العملاق ولكن وضعها اليوم في الجحيم. للاسف تكالبت عليها عدّة عوامل جعلت وضعها سيئًا للغاية ومُغيبًا ومجيرًا في التاريخ اللبناني الحديث. هذه المارونية تنتظر من يُخرجها من الظُلمات الداخلية والخارجية حيث الإنعتاق والحرية وإستعادة الدور الريادي والطليعي لمسيحيي لبنان والشرق، كما تحقيق الحلم بمجتمع مسيحي لبناني مشرقي عالمي فاعل ومؤثِّرْ في أفراده بصورة تبتعد عن فِعْلِ الإكراه والتبعيّة والقُصرْ. مجتمع فاعل يُكافأ الحياة السياسية ليس كما السياسة المنافقة المنتهجة بل السياسة بمعنى التدبير السليم والإدارة الجديرة بفعل الخير للجميع... ونحن أبناء المارونية أتباع القدّيس مار مارون قلقون على مارونيتنا ومسيحيتنا إذ ترانا يا صاحب الغبطة قلقين على مصيرنا وقد سئمنا رجالات الظل والموسميين والإستغلاليين، وطالما أسمعناك من خلال كتاباتنا وإجتماعاتنا عبارت التآسي والصبر على موعد ولادة المارونية العملاقة من جديد.
صاحب الغبطة، مع كل حدث جديد وتفجّر وضع سياسي – أمني – إقتصادي – إجتماعي – مالي – ديمغرافي مستجد ترنو أبصارنا إلى مكان المخاض وهو " الصرح البطريركي " ليس أي مكان بكون الذي " أعطي له مجد لبنان " ومبادراتها... كما أنّ حملات التبعية والإرتهان وتجيير القرار الرسمي لم تُفلح في إستبعاد الشرفاء عن ساحات النضال الفكري البنّاء... وهكذا هي كثيرة من الحركات السياسية الشريفة الحالية التي أكسبتْ المارونية السياسية تراكمًا خبرويًا ووعيًا ثوريًا متقدِّمْ على سائر قاصدي الصرح بغية الإستغلال المرحلي وللبحث عن دور بعد أن فقدوا مصداقيتهم حيثما كانوا وحيثما إرتحلوا... سؤالنا كيف الخلاص من الوضع المأزوم وما هي الطريق الصحيحة المتعيّن علينا وعليكم سلوكها؟
ما من شك إنه سؤال صعب الإجابة عليه مباشرة بمعنى التحقيق الوجودي وإستعادة الدور الطليعي حيث تتحقق المارونية السياسية كهيئة قادرة على صيانة نفسها وصون تراثها وموروثها الحضاري نعم توّلدت لديكم من خلال لجنة تُشرفون على إجتماعاتها وسميّتم منسقها كثيرًا من الإجابات الجاهزة أساسًا والهامشية على ما يُفيدنا بعض المُشاركين، التي من السهل قولها لكنها في مقام العمل تبقى خائرة ضعيفة لا تقوى على المواجهة أو الوفاء بما تطرحه...
صاحب الغبطة، ثمّة شروط موضوعية وذاتية من المفترض حيازتها قبل الشروع في عملية قيادة المجتمع الماروني المسيحي اللبناني. إنّ المجتمع الماروني إختصارًا يعني حالات من الصراع والإنهزامية والتناقض وحالات من التعايش بقواعد معينة للعيش تحت مظلة التبعية؛ وليس من المنطقي أن تتشابه تلك القواسم والرؤى سواء في حالات الصراع أو التعايش. ثمة مؤشرات اليوم تدل على إستمرارية الإختلاف حتى داخل المجموعات الواحدة. إنّ ما يكسب أي مجتمع سياسي حيويته ونضوجه ليس كثرة الحدث، إنّ ما يُكسبه هو القدرة على إتخاذ قدر من القرارات وفق منظور مبدئي يُراعي قدرة المجتمع الماروني المسيحي ومراحله الراهنة، بعبارة أخرى إنّ النضوج المشار إليه يتأتّى عبر السعي الحثيث إلى التقليل من حالات المتفارقة والمتباينة بين بنية المجتمع الماروني المسيحي وبين الطرح السياسي الموجه إليه.
صاحب الغبطة، إنّ المارونية السياسية مع تفاقم أزمة الوجود فيها إلى الحد الذي لا يمكن الإستمرار فيه بالشكل التقليدي تشهد محاولات تقديم طروحات سياسية تزعم في نفسها القدرة على حل تلك الأزمة المتشعبة إلى أزمات أخرى مثل الحضور الماروني والحضور المسيحي والحضور اللبناني وإلى أزمات أخرى مثل الهوية وبيع الأراضي... لقد وصلت الأزمة الحالية إلى ذروتها مع إشتداد أزمة الفكر وأزمة الإرتهان وأزمة التفلُّتْ وعلى إختلاف إتجاهاته في فهم مسار الفشل المتكرِّرْ في عملية البناء الماروني المسيحي اللبناني.
صاحب الغبطة، أمام هذا الوضع المستمِّرْ نكون أمام مهمة خطيرة ومُلحّة لا بُدّ من الخوض فيها ولو عبر محاولات مبدئية تستقوى بعد ذلك، تهتم هذه المهمة بالكشف عن معالم تلك القوى وكيف صنعت تاريخ حضارتها في خضم دائرة جدلية وما تعانيه من خيارات وقناعات. إنّ من يدّعون إمتلاك الحلول ليسوا أمراء مجتمع ولا أوليائه، كما إنّ قوى المجتمع الماروني المسيحي ليس بمقدورهم وهو يُعانون من الإرهاب والتغييب والقهر والقبضة البوليسية أنْ يُصلحوا ما أفسده من أُمْسِكوا زمام الأمور من التسعينات مرورًا بالعام 2005، ولغاية تاريخه... إنّ من يزوركم اليوم من قوى من البديهي أنها كانت تخوض صراعها ضد السلطة الحاكمة وفق ما كانت تراه صالحًا لها ومتناسبًا مع مرحلية منظومتها السياسية إذا ما فرضنا سلامة النيّة في أغلب القوى المُشار إليها، ونصيحة تذّكروا قانون الإنتخابات النيابية الأخير ومساوئه على المارونية السياسية وعلى لبنان ككل.
صاحب الغبطة، تزامنًا مع زيارة الفاتيكان علمًا أننا لا نعوّل على الموضوع بصورة إيجابية نظرًا لعدة عوامل ومن أهمها الإنقسامات الداخلية حول أزمة الوجود المسيحي في المشرق عمومًا ولبنان خاصةً وقضايا السيادة الوطنية ومنهاج المنظومة السياسية وفقدان المصداقية في طرح أسباب الأزمة والإصرار على تسمية من هم في سدّة المسؤولية " أقطاب"، وأمام عدم توّفر إمكانية الوصول إلى منظومة سياسية من شأنها إعادة الأمور تدريجيًا إلى ما كانت عليه نظرًا للتدرج في الأخطاء المرتكبة منذ الإستقلال إلى إتفاقية القاهرة وذيولها إلى الأحداث التي أدتْ لإقتتال لبناني نظرًا لقصر نظر المسؤولين في حينه إلى الإحتلالات التي توالت بسبب إنتهاك السيادة الوطنية إلى الحروب الداخلية إلى حرب المسيحيين والتي كانت رصاصة الرحمة والتي أفقدتهم حضورهم وصولاً إلى ما نحن عليه.
صاحب الغبطة، من الملفات السياسية صعبة القراءة الإقتراب من الوضع السياسي اللبناني كما هو قائم خصوصًا في ظل إنعدام وضوح في الرؤية، والدراسات ربما تعدّت عدد اللبنانيين أنفسهم، لأن زائريكم لا يُقدمون دراسة واحدة بل عددًا من الدراسات... الواقع إننا وقعنا في مكان المراوحة وهناك عدة أزمات تواجهنا غير مسبوقة منها الأزمة السياسية – الأزمة الأمنية السيادية – إقعاد الدولة عن مهامها – المجتمع المعطّلْ بطرق شتّى – الكفاءات تتراجع والوساطات تتقدّم وتخور قوى الدولة... فعلا إنها الأزمة المتحورة...
صاحب الغبطة، إنّ مجتمعنا الماروني المسيحي اللبناني بحاجة إلى تطوّرْ ونحن بحاجة لنهضة سياسية ثقافية، ومن غير الطبيعي أن نستمّر في إستخدام الأدوات السياسية القديمة لمواجهة الأمور، إننا بحاجة إلى أدوات جديدة ومبتكرة لمعالجة كل المشكلات التي تواجههنا على قاعدة من العلم والقانون والخبرة والمساواة دونها من الطبيعي أن تزداد الهوّة بين المطلوب والممكن... إنّ تقديم الحلول المُسكِّنة التي تهدىء الأزمات ولا تنهيها لا تُثمر... وللبحث صلة.
* الكتابات والآراء المذكورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار والاعلانات عامة لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وإنما تعبّر عن رأي كتابها والمعلنين حصراً.












06/27/2021 - 09:19 AM





Comments