مقالات رأي
إيران ومفارقة الاعتراف بالقوة… قراءة فلسفية في الصراع على المكانة والنفوذ الإقليمي (الجزء الثاني)

جمال دملج*
إذا كان أفلاطون يساعدنا على فهم التوتر بين دوافع الفعل، فإنّ هيغل يفتح بابًا آخر لفهم العلاقة بين الذات والآخر، وبين إثبات الوجود والحصول على الاعتراف. ففي “فينومينولوجيا الروح” الصادرة عام 1807، يتناول هيغل مسألة الوعي بالذات، ويبيّن أنّ هذا الوعي لا يكتمل في عزلة مطلقة، بل يتطلب علاقة مع وعي آخر يعترف بالذات بوصفها ذاتًا مستقلة. فالإنسان لا يكتفي بأن يعرف نفسه؛ إنه يحتاج أيضًا إلى أن يُعترف به من طرف آخر قادر بدوره على الاعتراف.
ومن هنا تنشأ جدلية الاعتراف، التي تتجلى في المقطع الشهير المعروف بجدلية السيّد والعبد أو السيادة والعبودية. ففي الصراع بين وعيين يطلب كل منهما الاعتراف من الآخر، يمكن أن ينتهي الأمر إلى علاقة غير متكافئة، يخضع فيها أحد الطرفين للآخر. لكن هذا الانتصار لا يحل المشكلة نهائيًا؛ لأنّ الاعتراف الصادر عن طرف خاضع لا يحقق بالضرورة الاعتراف الحر والمتبادل الذي كان الطرف المنتصر يسعى إليه.
وبذلك تكشف الجدلية عن مفارقة عميقة: يستطيع الإكراه أن يفرض الطاعة، لكنه لا يستطيع أن يضمن الاعتراف المتبادل. فالسيطرة قد تنتج امتثالًا، والخوف قد ينتج صمتًا، والهزيمة قد تنتج انسحابًا مؤقتًا؛ لكن أيًا من ذلك لا يساوي بالضرورة قبولًا حرًا بمكانة الطرف الأقوى.
هذه الفكرة تتيح لنا قراءة أحد أوجه السياسة الإيرانية من زاوية مختلفة. فطهران لا تسعى فقط إلى امتلاك أدوات عسكرية أو إلى منع خصومها من مهاجمتها؛ إنها تريد أيضًا أن تُعامَل بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوزه في ترتيبات المنطقة. وتريد أن يكون لها موقع في أي نقاش يتعلق بأمن الخليج، والعراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، والممرات البحرية، والتوازنات مع إسرائيل والولايات المتحدة.
لكن امتلاك القدرة على تعطيل التسويات أو التأثير في مسارات الصراع لا يعني أنّ الآخرين يعترفون تلقائيًا بشرعية الدور الإيراني أو يقبلون حدود نفوذه. وقد يضطرون إلى التفاوض مع طهران لأنّ تجاهلها غير ممكن، من دون أن يعني ذلك أنهم ينظرون إلى نفوذها باعتباره مشروعًا أو مرغوبًا فيه.
وهنا يظهر الفرق بين ثلاثة مستويات: الأول، الاعتراف الواقعي: الإقرار بأنّ إيران تمتلك قدرات عسكرية وسياسية تجعل تجاهلها مستحيلًا. والثاني، الاعتراف التفاوضي: التعامل معها طرفًا مؤثرًا لا بد من إدخاله في الحسابات أو المفاوضات. والثالث، الاعتراف المتبادل بالمكانة: قبول دورها الإقليمي ضمن قواعد واضحة تحترم سيادة الدول الأخرى وتسمح بتعايش المصالح المختلفة.
قد تحقق القوة المستويين الأول والثاني بدرجات متفاوتة، لكنها لا تضمن الثالث. بل قد تؤدي المبالغة في استخدامها إلى تحويل الرغبة في الاعتراف إلى مصدر دائم للريبة والرفض.
ولا ينبغي أن نحمّل هيغل أكثر مما تحتمل نظريته. فهو لم يضع نظرية جاهزة للعلاقات بين الدول، ولم يصف السياسة الدولية بوصفها نسخة حرفية من صراع فردين. إنما نستفيد من منطقه الفلسفي لفهم أنّ الاعتراف المستقر لا ينشأ من طرف واحد، وأنّ العلاقة التي تقوم على الإكراه وحده تبقى ناقصة وقابلة للانفجار.
من الثورة إلى الدولة – ازدواجية الهوية الإيرانية
لا يمكن فهم السياسة الإقليمية الإيرانية من دون العودة إلى ثورة عام 1979، التي لم تكن مجرد تغيير في رأس السلطة، بل أحدثت تحولًا في تعريف الدولة لدورها وهويتها وموقعها في العالم.
أقامت الثورة نظامًا سياسيًا يستند إلى شرعية دينية وثورية، وأدخلت في بنيته تصورًا يتجاوز حدود الدولة الوطنية التقليدية، من خلال خطاب نصرة المستضعفين ومناهضة الهيمنة الغربية ودعم حركات المقاومة. وبهذا المعنى، نشأت منذ البداية علاقة مركبة بين مفهوم الدولة، الذي يقتضي حماية الحدود والمصالح الوطنية، ومفهوم الثورة، الذي يطمح إلى نشر نموذج سياسي وفكري خارج الحدود.
لم تكن هذه الازدواجية مجرد شعار أيديولوجي. فقد انعكست على المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية، وعلى طريقة تعريف التهديدات والفرص. وفي هذا السياق برز الحرس الثوري الإيراني بوصفه مؤسسة عسكرية وأمنية موازية للجيش النظامي، ثم اتسع دوره ليشمل مجالات سياسية واقتصادية وأمنية. وأصبحت في داخله قوة القدس المعنية بالعمليات الخارجية وبناء العلاقات مع جماعات مسلحة وحلفاء إقليميين.
لكن من الضروري تجنب اختزال السياسة الإيرانية في الحرس الثوري وحده؛ فصُنع القرار في الجمهورية الإسلامية يتأثر بمؤسسات متعددة، وبموازين القوى بين المرشد والرئاسة ومجلس الأمن القومي والمؤسسات العسكرية والسياسية، فضلًا عن الحسابات الاقتصادية والاجتماعية. كما أنّ دور الحرس الثوري لا يلغي وجود نقاشات وتباينات داخل النخبة الإيرانية حول كلفة الانخراط الإقليمي وحدوده.
ويشير تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي إلى أنّ الحرس الثوري يضطلع بدور رئيسي في تنسيق دعم إيران لجماعات إقليمية، وأنّ قوة القدس تمثل الذراع المعنية بالأنشطة الخارجية. لكنه يلفت أيضًا إلى اختلاف طبيعة العلاقات بين طهران وهذه الجماعات، وإلى أنّ بعضها يمتلك جذورًا محلية ومصالح مستقلة ودرجات متفاوتة من الاستقلالية في القرار.
وهذه النقطة بالغة الأهمية؛ لأنّ وصف كل الجماعات المرتبطة بإيران بأنها مجرد أدوات تنفذ أوامر مركزية مباشرة لا يعكس بالضرورة تعقيد الواقع. فالعلاقة قد تتراوح بين التحالف الأيديولوجي، والدعم العسكري والمالي، والتنسيق الاستراتيجي، والاعتماد المتبادل، والارتباط العملياتي. كما أنّ الجماعات المحلية لا تفقد بالضرورة حساباتها الخاصة لمجرد تلقيها دعمًا من الخارج.
من هنا يمكن القول إنّ إيران سعت إلى بناء عمق استراتيجي يتجاوز حدودها، مستفيدة من علاقات مع قوى سياسية ومسلحة في دول مختلفة. وقد منحها ذلك قدرة على توسيع مجال تأثيرها، وعلى جعل خصومها يواجهون شبكة من التحديات بدلًا من مواجهة الدولة الإيرانية وحدها.
غير أنّ هذا النموذج حمل معه مشكلة بنيوية: كلما ارتبط أمن إيران بفاعلين مسلحين خارج حدودها، ازدادت صعوبة الفصل بين الدفاع عن المصالح الإيرانية وبين التأثير في سيادة الدول التي تنشط فيها تلك القوى.
وهكذا تحولت ازدواجية الدولة والثورة إلى معضلة مستمرة: كيف تحافظ إيران على هويتها الثورية ودورها الإقليمي، من دون أن تجعل ذلك على حساب متطلبات الدولة الطبيعية، من استقرار اقتصادي، وعلاقات متوازنة، واحترام متبادل للسيادة؟
(يتبع: الجزء الثالث)
*إعلامي وكاتب لبناني
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.


















