مقالات رأي
الانتخابات الأميركية وتداعياتها على الشرق الأوسط…
هل يتغيّر مسار الحرب مع إيران وموازين التحالف مع إسرائيل؟

لبنان أمام مفترق حاسم: تراجع الغطاء السياسي لسياسات التصعيد، وتصاعد الضغط الدولي لحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء دور حزب الله العسكري
بقلم: فرانسوا الجردي – François El Jerdy
مقدمة
لم تكن خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على مجلسي الكونغرس والشيوخ مجرد هزيمة انتخابية للرئيس دونالد ترامب، بل حملت رسالة سياسية واضحة بشأن الحرب مع إيران، والعلاقة الأميركية الإسرائيلية، ومستقبل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط.
فنتائج الانتخابات كشفت عن تراجع التأييد الشعبي لسياسات الإدارة، خصوصاً في ظل كلفة الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة والأعباء الاقتصادية. وهذا ما يضع ترامب أمام معادلة جديدة: الاستمرار في التصعيد العسكري وتحمل أثمانه السياسية، أم البحث عن تسوية تحفظ المصالح الأميركية وتمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة.
أولاً: إيران بين فرصة التسوية ومخاطر التصعيد
من المرجح أن تشكل الهزيمة الجمهورية ضغطاً إضافياً على البيت الأبيض للبحث عن مخرج سياسي للحرب مع إيران. فالديمقراطيون يمتلكون أدوات رقابية وتشريعية ومالية تتيح لهم مساءلة الإدارة والتأثير في تمويل العمليات العسكرية.
لكن ذلك لا يعني أن ترامب فقد صلاحياته العسكرية أو أصبح عاجزاً عن مواصلة الحرب. فالرئاسة لا تزال تملك هامشاً واسعاً في القرارات العسكرية، فيما تبقى القدرة على وقف التمويل أو فرض قيود تشريعية مرتبطة بمسار معقد وبمواجهة الفيتو الرئاسي.
وقد ترى طهران في النتائج فرصة لتحسين شروط التفاوض، لكنها قد تخطئ إذا فسّرت التراجع السياسي الأميركي على أنه ضعف أو عجز عن الرد.
ثانياً: التحالف الأميركي الإسرائيلي أمام اختبار جديد
لن ينتهي التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب نتيجة تبدّل الأكثرية في الكونغرس، فهو تحالف يتجاوز الإدارات والأحزاب. لكن طبيعة العلاقة قد تشهد تحولاً مهماً، خصوصاً مع تنامي الأصوات الديمقراطية المطالبة بمراجعة المساعدات العسكرية لإسرائيل، وفرض شروط أكثر صرامة على استخدام الأسلحة الأميركية.
وقد تجد الحكومة الإسرائيلية نفسها أمام رقابة أميركية أشد على عملياتها العسكرية في إيران وغزة ولبنان، وأمام ضغوط متزايدة للانتقال من منطق الحروب المفتوحة إلى التسويات السياسية.
المسألة إذاً ليست التخلي الأميركي عن إسرائيل، بل الانتقال من دعم غير مشروط إلى دعم أكثر ارتباطاً بالحسابات والمصالح الأميركية.
ثالثاً: لبنان… الاختبار الأخطر والأكثر حساسية
هنا تكمن أهمية التحولات الأميركية بالنسبة إلى لبنان. فالحرب مع إيران ليست بعيدة عن الواقع اللبناني، لأن حزب الله لا يزال يمثل إحدى أبرز أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، وأي تسوية أميركية إيرانية ستطرح حكماً مسألة الأذرع العسكرية لطهران، وفي مقدمتها الحزب.
وقد يجد لبنان نفسه أمام ثلاثة مسارات:
رابعاً: حزب الله أمام مرحلة مختلفة
إن المتغير الأميركي يضع حزب الله أمام سؤال جوهري: هل يقبل بالتحول إلى حزب سياسي لبناني يعمل تحت سقف الدستور والمؤسسات، أم يصر على الاحتفاظ بسلاح مستقل وقرار عسكري مرتبط بحسابات إقليمية؟
إن أي تفاهم أميركي إيراني لا ينبغي أن يكون على حساب سيادة لبنان، كما أن أي تسوية إقليمية لا يجوز أن تمنح الحزب حق الاحتفاظ بقرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.
ومن هنا تبرز أهمية دعم الجيش اللبناني، وتعزيز قدراته، وتطبيق القرارات الدولية، وفرض حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، بعيداً عن منطق الانتقام أو المواجهة الداخلية.
خامساً: ماذا على الدولة اللبنانية أن تفعل؟
على الرئاسة والحكومة اللبنانية استثمار التحولات الأميركية لإثبات أن لبنان قادر على استعادة قراره الوطني، وأنه ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين طهران وتل أبيب.
وهذا يتطلب التمسك بالتفاوض، وتحصين موقع الجيش، وتأمين الدعم الدولي له، وعدم السماح بتحويل أي تسوية إقليمية إلى صفقة على حساب السيادة اللبنانية.
فالمطلوب ليس استبدال وصاية بأخرى، بل استعادة الدولة لقرارها وحدودها ومؤسساتها.
الخلاصة: أميركا تغيّر حساباتها، فهل يغيّر لبنان واقعه؟
إن نتائج الانتخابات الأميركية لا تعني نهاية الحرب مع إيران، ولا سقوط التحالف مع إسرائيل، ولا اختفاء النفوذ الإيراني من المنطقة. لكنها تفتح مرحلة جديدة من الضغوط السياسية والرقابة على القرار العسكري، وتزيد احتمالات البحث عن تسويات إقليمية.
أما لبنان، فهو أمام فرصة تاريخية لاستعادة دولته، أو خطر العودة إلى دفع أثمان صراعات لا يملك قرارها.
والحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن مستقبل لبنان لا يمكن أن يبقى رهينة سلاح حزب أو حسابات دولة إقليمية، كما لا يمكن أن يُبنى على ضمانات خارجية وحدها.
-
تسوية إقليمية: تفضي إلى وقف الحرب وتخفيف المواجهة، لكنها تضع ملف سلاح حزب الله ودوره العسكري أمام استحقاق جدي، في إطار تعزيز سلطة الدولة اللبنانية.
-
استمرار المواجهة: وهو السيناريو الأخطر، إذ قد يدفع لبنان مجدداً ثمن الصراع الإيراني الإسرائيلي، فيما تتآكل قدراته الاقتصادية ومؤسساته الوطنية.
-
تسوية لبنانية برعاية دولية: تقوم على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وتعزيز الجيش اللبناني، واستكمال المفاوضات مع إسرائيل، ووضع جدول عملي لحصر السلاح بيد الدولة.
لبنان لا يحتاج إلى انتصار إيران على إسرائيل، ولا إلى انتصار إسرائيل على إيران؛ بل يحتاج إلى انتصار الدولة اللبنانية على منطق الدويلة والحرب بالوكالة.
فلا سيادة مع سلاح خارج الدولة، ولا استقرار مع قرار حرب وسلام خارج المؤسسات، ولا مستقبل لوطن يريد أبناؤه أن يعيشوا فيه بكرامة وأمان فيما يقرر الآخرون مصيره.
إن اللحظة الأميركية الجديدة قد تفتح نافذة للبنان، لكن عبور هذه النافذة يتطلب دولة تملك قرارها، وقيادة تجرؤ على حماية سيادتها.
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

















