تخطي إلى المحتوى الرئيسي
باريس – بيروت تايمز – منى حسن
في إنجاز أكاديمي وعلمي جديد يُضاف إلى سجل النجاحات اللبنانية في الخارج، توّج الباحث اللبناني أحمد الريّس سنوات من العمل والبحث العلمي بنيله درجة الدكتوراه في إدارة الرعاية الصحية (Healthcare Management) من كلية باريس للدراسات العليا (Paris Graduate School) في العاصمة الفرنسية باريس، بتقدير Magna Cum Laude «امتياز رفيع»، وهو تقدير أكاديمي يُمنح للباحثين المتميزين تقديراً لمستواهم العلمي والبحثي.
ويكتسب هذا الإنجاز أهمية خاصة لارتباطه بواحد من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الصحية والمختبرات الطبية، والمتمثل في الحد من الأخطاء المخبرية وتعزيز التواصل الفعّال بين المختبرات والأطباء، بما ينعكس مباشرة على سلامة المرضى وجودة الرعاية الصحية، ويحدّ من المخاطر الناتجة عن التأخر في إيصال المعلومات الطبية الدقيقة إلى الجهات المعنية.

الباحث اللبناني أحمد الريّس وعائلته
أطروحة علمية تلامس تحديات القطاع الصحي
جاءت أطروحة الدكتوراه ثمرة دراسة بحثية متخصصة تناولت تطوير آليات التواصل المخبري مع الأطباء، مع التركيز على الأخطاء التي قد تحدث في المراحل السابقة للتحليل المخبري واللاحقة له، وهي مراحل لا تقل أهمية عن عملية إجراء الفحوصات نفسها.
وانطلق الريّس في بحثه من رؤية علمية مفادها أن دقة النتائج المخبرية وحدها لا تكفي لضمان سلامة المريض، إذا لم تترافق مع إجراءات صحيحة في طلب الفحوصات، وتحديد العينات، واستخدام المصطلحات الطبية الموحدة، وإيصال النتائج إلى الطبيب المعالج في الوقت المناسب.
وفي هذا السياق، ركّزت الأطروحة على محورين أساسيين. تناول المحور الأول الحاجة إلى توحيد المصطلحات الطبية والمخبرية المستخدمة في المرحلة ما قبل التحليلية في لبنان، من خلال مقابلات بحثية مع عدد من الأطباء بهدف تحديد التحديات التي تعترض التواصل بين الأطباء والعاملين في المختبرات، والعمل على وضع أسس أكثر وضوحاً ودقة لتبادل المعلومات.
أما المحور الثاني، فتمحور حول تطوير نظام إلكتروني مبتكر يحمل اسم Alert Messaging، يهدف إلى إبلاغ الأطباء بالنتائج المخبرية الحرجة بصورة سريعة ومنظمة، مع توفير آلية لتأكيد استلام التنبيه، ومقارنة فعاليته بوسيلة الاتصال الهاتفي التقليدية المعتمدة في العديد من المؤسسات الصحية.
وأظهرت نتائج الدراسة تفوق النظام الإلكتروني من حيث سرعة إيصال التنبيهات والحصول على تأكيد الاستلام، الأمر الذي يعزز فرص التدخل الطبي السريع، ويساعد على تقليص الوقت الفاصل بين صدور النتيجة المخبرية ووصولها إلى الطبيب المسؤول عن متابعة الحالة.
من البحث الأكاديمي إلى الابتكار وحماية الملكية الفكرية
لم يتوقف تميز هذا العمل عند حدود البحث النظري والنتائج الأكاديمية، بل انتقل إلى الجانب التطبيقي، إذ حظي أحد الحلول التي اقترحها وطوّرها الريّس بحماية حقوق الملكية الفكرية من وزارة الاقتصاد والتجارة اللبنانية.
وتشكّل هذه الخطوة محطة مهمة في مسيرته العلمية، كونها تعكس إمكانية تحويل المعرفة البحثية إلى ابتكارات عملية قابلة للتطبيق، وتؤكد أهمية الاستثمار في الأبحاث التي تقدم حلولاً مباشرة للتحديات التي تواجه القطاع الصحي.
كما يسلّط هذا الإنجاز الضوء على دور الباحثين اللبنانيين في الخارج في تطوير أفكار علمية يمكن أن تجد طريقها إلى المؤسسات الصحية في لبنان وخارجه، ولا سيما في ظل الحاجة المتزايدة إلى تحديث الأنظمة الإدارية والتقنية والطبية، والاستفادة من التحول الرقمي في تحسين جودة الخدمات الصحية.
ماري كوري.. إلهام لمسيرة البحث العلمي
في حديثه عن رحلته العلمية، استحضر أحمد الريّس تجربة العالمة الفرنسية ماري كوري، التي ارتبط اسمها بتاريخ البحث العلمي في باريس، معتبراً أن مسيرتها وما حملته من إصرار على المعرفة وتجاوز التحديات شكّلت مصدر إلهام له خلال مسيرته الأكاديمية.
واستعاد الريّس المعاني التي تعكسها مقولاتها حول الإيمان بالقدرات الإنسانية والسعي إلى تحقيق الأهداف مهما تعددت الصعوبات والعقبات، في إشارة إلى أن النجاح العلمي لا يتحقق من خلال الشهادات وحدها، بل يحتاج إلى المثابرة والشغف والالتزام المستمر بالبحث والتطوير.
وأوضح أن الدافع الأساسي وراء اختيار موضوع أطروحته كان إدراكه أن الأخطاء المخبرية لا تقع بالضرورة أثناء إجراء التحاليل، بل يمكن أن تحدث قبل بدء الفحص أو بعد انتهائه، سواء نتيجة أخطاء في طلب الفحوصات، أو في تسمية العينات والتعامل معها، أو بسبب التأخر في إيصال النتائج الحرجة إلى الطبيب المعالج.
وشدّد على أن هذه التفاصيل، التي قد تبدو إجرائية أو إدارية، تحمل في الواقع أبعاداً طبية وإنسانية بالغة الأهمية، لأن كل تأخير في إيصال معلومة مخبرية حساسة قد يؤثر في توقيت اتخاذ القرار الطبي، وفي مسار علاج المريض.
ومن هنا، انطلق في مقاربته البحثية من مبدأ أساسي مفاده أن وراء كل عينة مخبرية مريضاً ينتظر نتيجة دقيقة في الوقت المناسب، وأن تطوير منظومة التواصل بين المختبر والطبيب ليس مجرد تحسين تقني، بل جزء أساسي من منظومة حماية حياة الإنسان.
خبرة تجمع بين المختبرات والذكاء الاصطناعي والتعليم الجامعي
يأتي نيل الدكتوراه تتويجاً لمسيرة مهنية وأكاديمية امتدت في مجالات علوم المختبرات الطبية والبحث العلمي، إلى جانب الاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، وهي مجالات باتت تشكل ركيزة أساسية في مستقبل الطب الحديث وإدارة المؤسسات الصحية.
كما يتميز الريّس بتجربته في التدريس الجامعي، حيث يجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة التطبيقية، في مسار يتيح له نقل الخبرات العلمية إلى الأجيال الجديدة من الطلاب والباحثين، وتشجيعهم على اعتماد البحث العلمي وسيلة لتطوير الممارسات المهنية وتحسين الخدمات الصحية.
ويعكس هذا التنوع في الخبرات توجهاً علمياً يقوم على الربط بين التكنولوجيا والإدارة الطبية والبحث التطبيقي، في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة في أنظمة الرعاية الصحية، مع تزايد الاعتماد على الحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي لتحسين دقة التشخيص وسرعة اتخاذ القرارات الطبية.
الدكتوراه بداية مسؤولية علمية جديدة
بالنسبة إلى الريّس، فإن الحصول على درجة الدكتوراه بتقدير Magna Cum Laude لا يمثل نهاية الرحلة العلمية، بل يشكل بداية مرحلة جديدة من المسؤولية تجاه البحث العلمي والطلاب والقطاع الصحي، انطلاقاً من قناعته بأن المعرفة الحقيقية تكتسب قيمتها عندما تتحول إلى نتائج ملموسة تخدم الإنسان والمجتمع.
ويؤكد هذا التوجه أهمية مواصلة العمل على تطوير أنظمة الرعاية الصحية، وتعزيز ثقافة الجودة وسلامة المرضى، والاستفادة من الابتكارات العلمية والتكنولوجية في معالجة الثغرات التي قد تؤثر في كفاءة الخدمات الطبية.
إن إنجاز أحمد الريّس في باريس ليس مجرد محطة شخصية في مسيرة باحث لبناني، بل هو نموذج للكفاءات اللبنانية التي تواصل حضورها في المحافل الأكاديمية الدولية، وتثبت أن الطاقات العلمية اللبنانية قادرة على الإبداع والمساهمة في إنتاج المعرفة وتطوير الحلول التي تتجاوز حدود الجغرافيا.
بيروت تايمز تتقدم بأحر التهاني إلى الدكتور أحمد الريّس على هذا الاستحقاق العلمي المشرّف، متمنيةً له دوام النجاح والتألق في مسيرته البحثية والأكاديمية، ومزيداً من الإنجازات التي ترفع اسم لبنان عالياً في الجامعات والمؤسسات العلمية الدولية.