تخطي إلى المحتوى الرئيسي
بقلم: نزيه محمد حسن
في مثل هذا اليوم السابع إضافة مقالةوالعشرين من تشرين الأول عام 2022، شهد لبنان حدثاً فارقاً في تاريخه السياسي والجيوسياسي، ألا وهو التوقيع الرسمي على إتفاق ترسيم الحدود البحرية الجنوبية.
جاء هذا التوقيع في أواخر عهد رئيس الجمهورية الأسبق ميشال عون، وفي ظل حكومة تصريف أعمال برئاسة نجيب ميقاتي، وبمباركة ومتابعة مباشرة من رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومشاركة فعليَّة من ممثل “حزب إيران” لملف الترسيم، مسؤول الموارد الحدودية نواف الموسوي.
قد يُقرأ هذا التاريخ كحدث تقني أو إنجاز دبلوماسي لإخراج لبنان من أزمته الإقتصادية، لكن القراءة المتأنية للأبعاد السياسية والقانونية والدولية تجعل منه نقطة تحول كشفت التناقض الصارخ بين الخطاب الميداني المُتشدِّد والواقع التفاوضي الملموس.
1- البعد المحلي والقانوني: “تطبيع مقنَّع” وتنازل عن المكتسبات..
من الناحية القانونية والدولية، أثار نص الإتفاقية علامات إستفهام كبرى حول طبيعة الوثيقة الموقعة.
فقد ورد ذكر “دولة إسرائيل” عشرات المرات في نص الإتفاق الدولي المودع لدى الأمم المتحدة، وهو ما يُعدّ في الأعراف والقوانين الدولية إعترافاً ضمنياً ومباشراً بالكيان الإسرائيلي وبحدوده البحرية، الأمر الذي وصفه حقوقيون ومحلِّلون بأنه “تطبيع مقنع” يلتوي على القوانين اللبنانية المرعية الإجراء التي تُحظر أي شكل من أشكال التعامل أو الإعتراف.
أما على الصعيد الميداني والجغرافي، فقد تنازل لبنان بموجب هذه التسوية عن مقوِّمات التفاوض السيادي العالية، مفسحاً المجال أمام إسرائيل للأستحواذ الكامل والآمن على حقل “كاريش” وبدء الإنتاج منه دون أي عوائق، في حين أُعطي للبنان أملٌ معلَّقٌ على حقل “قانا” الذي يخضع لشروط الإستخراج والشركات الأجنبية.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة على الصعيد الإنساني والسياسي في ذلك اليوم كان المشهد الكواليسي الذي تسرَّب عن الوفود والتسهيلات اللوجستية، حيث تحوَّلت خطابات التهديد والوعيد والخطوط الحمراء إلى جلسات تفاوضية وسلوكيات بروتوكولية ضمَّت الوفود اللبنانية و الأمريكية و الإسرائيلية تحت رعاية دولية، ما يُسقط الهالة التي سُوِّقت لسنوات حول رفض التواصل المباشر أو غير المباشر الذي يخدم مصالح الخصم.
2- البعد الإقليمي والدولي: سلاح “الإسناد” وتغييب القرار الوطني..
على المستوى الإقليمي، أثبتت التطورات التي تلت إتفاق الترسيم أن القرار السياسي والعسكري في لبنان ظل رهينة لأجندات إقليمية تتجاوز الحدود الوطنية. فقد أُدخل لبنان في “حروب إسناد” ومواجهات عسكرية لم تكن محط إجماع وطني أو قرار صادق عليه مجلس الوزراء أو المجلس النيابي.
لقد أُدخلت البلاد في صراعات مدمِّرة تحت ذريعة حماية لبنان ومساندة القضايا الإقليمية، لكن النتيجة الميدانية والدولية كشفت أن هذا السلاح والمشاريع الإقليمية المرتبطة به لم تحمِ الجنوب، ولم تحمِ البنية التحتية، بل إستجابت لأجندات خارجية ورسائل إقليمية تهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على مكاسب السلاح و وظيفته في الإقليم.
من الناحية الدولية، أصبح لبنان يُعامل كدولة فاقدة لسيادتها وقرارها السلمي والعسكري، مما زاد من عزله عربياً ودولياً وحرمه من أي طوق نجاة إقتصادي حقيقي.
3- البعد الداخلي والمؤسساتي: حماية الفساد وتقويض الدولة..
لم يقتصر تأثير السلاح المنفلت والسطوة السياسية على ملفات الحدود والحرب فقط، بل إمتدَّ ليكون غطاءً سياسياً وأمنياً لمنظومة الفساد المالي والأمني داخل الدولة.
فخلال السنوات الماضية، أسهم الخلل في ميزان القوى الداخلي والتشفيع للدويلات في: تعطيل المؤسسات: شل القضاء ومنع محاسبة الفاسدين.
السيطرة على المرافق: فرض النفوذ على المعابر والمرافئ الإقتصادية الحيوية.
حماية شبكات المصالح: التغطية على كبار المهربين والمتاجرين بالسلع الفاسدة والمخدرات وتجار الأزمات، من خلال تحالف المصالح بين السلاح غير الشرعي والفساد السياسي.
لقد جرى التحكم بالقرار الوطني وتوجيهه عبر الضغوط والمحاصصات والتهديد الضمني بإعادة مقاطع سوداء من التاريخ المحلي (مثل أحداث 7 أيار)، وهو ما أدخل لبنان في نفق مظلم من الفراغ الرئاسي و المؤسساتي والإنهيار المالي.
أخيراً، حان وقت إستعادة الدولة والسيادة..
إن العبرة من محطة 27 تشرين الأول 2022 هي ضرورة كشف الحقائق كما هي، بعيداً عن الشعارات الرنانة والبروباغندا السياسية.
لقد أثبتت الوقائع أن الشعارات الكبرى تتراجع عندما تتطلَّب المصالح ذلك، بينما يدفع المواطن اللبناني وحده ثمن المغامرات والحروب غير محسوبة النتائج.
إن العودة إلى منطق الدولة، وحصر السلاح والقرار الإستراتيجي بيد المؤسسات العسكرية والشرعية اللبنانية، وإستعادة حكم القانون، هي الطريق الوحيد لبناء وطن يستحق أبناءه.
لقد إنتهى عصر التهويل وفرض الإرادات بالقمصان السوداء أو بالتهديدات الوجودية. واليوم أكثر من أي وقت مضى، يحتاج لبنان إلى بناء دولة المواطنة والسيادة الكاملة التي لا شريك لها في أرضها وقرارها.
ملاحظة هامة: في ميزان المفارقات، تناقلت بعض الصفحات ووسائل التواصل الإجتماعي سيناريوهات متهكِّمة حول كواليس التوقيع، وصل بعضها إلى حد تصوير النائب السابق نواف الموسوي وهو يطلب وجبات الطعام للوفود المشاركة..!
ورغم أن الحقيقة الرقمية والوقائع الميدانية تؤكد عدم وجود أي صورة أو إتفاق مباشر على طاولة واحدة، وأن هذه الأخبار لا تتعدى كونها شائعات وتندرًا شعبياً، إلا أنَّ الدلالة السياسية لما حدث لا تقل سريالية عن هذه الشائعة، فمع حجم التنازلات وضخامة هذا الإتفاق الذي منح إسرائيل الأمان في حقل كاريش، لم يكن ينقص مشهد “زعامة الممانعة” يومها إلا إستكمال هذا الديكور التفاوضي بتوجيه دعوة رسمية للوفدين الأمريكي و الإسرائيلي على مأدبة غداء فاخرة في “مطعم الساحة”..!فبين منطق الشعارات وحقيقة التنازلات، تصبح الفوارق بين الحقيقة والتهكم مجرد تفاصيل.