تخطي إلى المحتوى الرئيسي
بقلم المهندس باسل قس نصر الله
ليست الحروب دائماً صراعاً بين ما تعلنه الدول وما تضمره، وليست الشعارات الدينية والسياسية سوى جزء من صورة أوسع تحكمها المصالح الاستراتيجية. ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل تستغل روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل الإسلام، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لتبرير سياساتها وتمرير مشاريعها في أوكرانيا وإيران والشرق الأوسط؟
قد لا تكون عبارة «اترك لي أوكرانيا أترك لك إيران» اتفاقاً معلناً أو صفقة مثبتة، لكنها تختزل فرضية سياسية جديرة بالنقاش: أن القوى الكبرى قد تتنافس في ساحة، وتتقاطع مصالحها في ساحة أخرى، ولو بدا خطابها العلني متناقضاً.
شكّلت هجمات 11 أيلول 2001 منعطفاً تاريخياً. فبينما أطلقت الولايات المتحدة حربها على الإرهاب، تعزز التعاون الأميركي الروسي في مجالات أمنية واستخباراتية. وأصبحت مواجهة التنظيمات المتطرفة مدخلاً لتوسيع الشراكات، حتى مع دول تختلف معها واشنطن في ملفات أخرى. وهكذا تحوّل الإسلام، في بعض الخطابات السياسية، من دين لمليارات البشر إلى عنوان أمني قابل للتوظيف في الحسابات الدولية.
لكن التاريخ يكشف أن المصالح تتقدم على الشعارات. ففي 13 أيلول 1993، رعت الولايات المتحدة وروسيا، إلى جانب النرويج، المسار الذي أفضى إلى توقيع اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في البيت الأبيض. ومع ذلك، لم يؤدِّ المسار إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، وظلت المصالح الأمنية والاستراتيجية تحكم جانباً أساسياً من العلاقة الأميركية الإسرائيلية.
وفي 8 تشرين الثاني 2017، توصلت الولايات المتحدة وروسيا والأردن إلى تفاهم بشأن خفض التصعيد في جنوب سورية، شمل ترتيبات تتعلق بوجود القوات الأجنبية، ومنها القوات الإيرانية والجماعات المدعومة منها. كان ذلك مثالاً واضحاً على قدرة القوى المتنافسة على التفاوض حول مناطق النفوذ، بعيداً عن الشعارات المعلنة.
أما أوكرانيا وإيران، فتمثلان ساحتين مختلفتين تتقاطع فيهما حسابات الردع والطاقة والأمن والتحالفات. فروسيا تخوض حربها في أوكرانيا منذ 24 شباط 2022، بينما ترى إسرائيل في النفوذ الإيراني تهديداً أمنياً، وتستخدم الولايات المتحدة العقوبات والضغوط وأدوات الردع لتحقيق أهدافها الإقليمية.
المشكلة ليست في وجود المصالح، فهذا منطق السياسة الدولية، بل في تغليفها بخطاب ديني أو أخلاقي يخفي تناقضاتها. فهل تُدان جماعة بسبب هويتها الدينية، بينما تُغضّ الأنظار عن ممارسات حليف استراتيجي؟ وهل يصبح الإسلام خطراً حين يخدم خصوم الغرب، ويغدو ملفاً أمنياً قابلاً للاحتواء حين تقتضي المصالح ذلك؟
إن قراءة السياسة الدولية بعين نقدية لا تعني افتراض وجود مؤامرة موحدة، بل تعني مراقبة الأفعال والاتفاقات والنتائج. فالأمم لا يحميها الانخداع بالشعارات، وإنما فهم المصالح التي تقف خلفها.
وربما لا يقول أحد حرفياً: «اترك لي أوكرانيا أترك لك إيران»، لكن السؤال الأهم يبقى: كم من صراعاتنا يُخاض باسم المبادئ، بينما تُرسم نتائجها على طاولة المصالح؟
اللهم اشهد اني بلغت