تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

إنذار الـ 72 واستعداد ماقبل العاصفة:

من غرف الاستخبارات إلى أبواب المنازل.. الرسائل الخفية للأمن الأوروبي 

بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن

على طاولة السياسة، هنالك قرارات لا تكمن دلالتها دائما فيما تقوله الحكومات صراحة بل فيما تختار أن تضعه أمام مواطنيها وفي اللحظة التي تقرر فيها نقل بعض المخاوف من غرف التخطيط إلى الحياة اليومية، فحين تطلب الدولة من الأسرة أن تحتفظ بالماء والغذاء ومصادر الإضاءة والاتصال ” لثلاثة أيام ” يبدو المشهد للوهلة الأولى أقرب إلى نصيحة منزلية عابرة، الا أن القراءة الأعمق تفتح بابا على مفهوم يتسع في الحسابات الاستراتيجية الحديثة، وهو : كيف يمكن للمجتمع أن يبقى واقفا حين تتعطل المنظومة التي اعتاد الاتكاء عليها ؟

فقد أطلقت الحكومة البريطانية مؤخرا حملة ” Be Ready ” اي ” كن مستعدا “، داعية الأسر من خلالها إلى الاستعداد لاحتمال انقطاع الخدمات الأساسية لمدة تصل إلى ” اثنتين وسبعين ساعة “، وقدمت الحملة باعتبارها خطوة لتعزيز الجاهزية ضمن برنامج توعوي يمتد ” ثلاثة أعوام “، لكن أهمية الخطوة لا تتوقف عند محتويات حقيبة الطوارئ بل تمتد إلى الفكرة السياسية التي تقف خلفها، وهي بأن المرونة الوطنية لم تعد مسؤولية المؤسسات وحدها بل أصبحت قدرة المجتمع نفسه على احتمال الصدمة جزءا من معادلة الأمن، فثلاثة أيام تختصر فلسفة الاستعداد بين الحكومة والمجتمع، حيث أن للرقم ” اثنتين وسبعين ” دلالة عملية قبل أن تكون رمزية، إنه إطار زمني يمنح خدمات الطوارئ فرصة لتحديد الأولويات ويتيح للأسر قدرا من الاستقلال المؤقت إذا تعطلت الإمدادات أو تأخرت الاستجابة، لكنه في الوقت ذاته يكشف تحولا في التفكير الرسمي من سؤال كيفية مواجهة الكارثة بعد وقوعها إلى سؤال القدرة على مواصلة الحياة في ساعاتها الأولى، فالدولة الحديثة تقاس قوتها بقدرتها على منع العطل المحدود من التحول إلى شلل واسع، فقد يكون انقطاع الكهرباء ساعات قليلة كافيا لتعطيل وسائل الدفع وإرباك الاتصالات وإضعاف سلاسل التوزيع وإثارة القلق في مجتمع اعتاد وصول احتياجاته عبر شبكات تعمل بصمت، لتصبح بذلك الجاهزية المنزلية امتدادا للجاهزية الوطنية، ويغدو كل منزل قادر على تجاوز الاضطراب بحلقة صغيرة في منظومة الصمود الكبرى

بالإضافة لكل ذلك تكتسب الحملة البريطانية بعدا أوسع حين توضع في سياق ” التجارب الأوروبية “، فقد أقرت لندن بأن إرشادات الاستعداد ” لثلاثة أيام ” مستخدمة أيضا في “فرنسا وإيرلندا وهولندا “، وأنها عملت مع شركائها الدوليين للاستفادة من خبراتهم في تعزيز قدرة الأسر على مواجهة الطوارئ، ففي فرنسا تتضمن إرشادات حقيبة الطوارئ الاستعداد لانقطاع الكهرباء والغاز والمياه أو تعذر استخدام الطرق، مع توفير الماء والغذاء والأدوية ووسائل الاتصال، وفي هولندا تشمل التوصيات الماء والأطعمة طويلة الصلاحية والنقود والراديو والبطاريات ومستلزمات الإسعافات الأولية، ومن هنا تتقاطع الرسائل الوطنية حول قاعدة مشتركة، وهي : الاستعداد المسبق يقلل الاعتماد الفوري على منظومة قد تتعرض لضغط استثنائي، وتقارب الدول الأربع هنا لا يعني فقط بأن هنالك استجابة لأنذار استخباراتي واحد، لكنه أيضا يشير إلى ترسخ تصور أوروبي للمخاطر باعتبارها مترابطة بحيث يمكن لأزمة مناخية أو تقنية أو أمنية أن تتجاوز حدودها الأولى وتنتقل آثارها إلى قطاعات أخرى ودول أخرى

وقد عزز الاتحاد الأوروبي هذا الاتجاه باستراتيجية ” اتحاد التأهب ” التي أُقرت في مارس 2025، واضعة في الاعتبار التوترات الجيوسياسية والهجمات الإلكترونية والمخاطر المناخية والأزمات الصحية، مع الدعوة إلى تنسيق جهود الحكومات والمؤسسات والمجتمعات، وفي الجانب الاستخباراتي للدول فان هذه الاستعدادات والمؤشرات لا تأتي من فراغ، خصوصا عندما تتزامن مع تغيرات في البيئة الامنية، ففي حال اندلعت ” حرب دولية ” ستتجاوز آثارها ساحات القتال لتصل إلى الطاقة والنقل والاتصالات والتجارة والأمن السيبراني، عندئذ يمكن أن تتطور برامج الاستعداد المدني وفق طبيعة التهديدات وقرارات السلطات، من مجرد تخزين الاحتياجات الأساسية إلى توسيع أنظمة الإنذار المبكر وتحسين خطط الإخلاء وحماية المنشآت الحيوية، بالإضافة لتأمين الإمدادات الطبية والغذائية وتعزيز قدرة المؤسسات على مواصلة العمل أثناء الأزمات، بل وسيمتد ذلك إلى تدريبات مجتمعية وتحديث خطط استمرارية الخدمات وتنسيق أكبر بين السلطات المحلية والمستشفيات وشركات الطاقة والاتصالات، فضلا عن تطوير وسائل مكافحة التضليل الإعلامي الذي يصاحب الأزمات الكبرى

وهنا يظهر البعد الاستراتيجي الأعمق، في: ان الحرب الحديثة لا تختبر قدرة الجيوش على القتال فقط بل تختبر قدرة المجتمعات على تحمل تبعات الصراع، وقدرة الحكومات على الحفاظ على الثقة العامة ومنع الخوف من التحول إلى اضطراب إضافي، فما بين ” الطمأنينة والاستعداد ” تحاول الحكومات في مثل هذه الحملات السير على خيط دقيق، حيث تريد مجتمعا مستعدا من دون أن تصنع مجتمعا مذعورا، فالمبالغة في التحذير قد تضعف الثقة بينما يؤدي التقليل من المخاطر إلى هشاشة مكلفة حين تقع الطوارئ 

ولهذا فإن الرسالة الأهم في حملة ” كن مستعدا ” ليست فقط أن الحرب باتت على الأبواب بل أن مفهوم الأمن يتغير، وأن الاستعداد لم يعد يبدأ لحظة إعلان الطوارئ بل يبدأ حين تدرك الدولة أن شبكاتها مهما بلغت قوتها ليست بمنأى عن التعطل، وأن قدرة المجتمع على الصمود لا تقل أهمية عن قدرته على الإنتاج، فالساعات ” الاثنتان والسبعون ” لا تحمل سرا استخباراتيا مخفيا فقط بل تكشف أيضا حقيقة استراتيجية واضحة، وهي: أن الدول التي تفكر في الأزمات قبل وقوعها تحاول تقليل مساحة المفاجأة حين تأتي، وبينما تظل أسباب كل حملة مرتبطة بما تعلنه وثائقها وما تثبته الوقائع يبقى السؤال مفتوحًا أمام أوروبا، في: هل أصبح الاستعداد للاضطراب ممارسة مدنية عادية، أم أنه بداية ترسيخ ثقافة أمنية جديدة تتشكل في ظل عالم تتراجع فيه الحدود بين السلم والأزمة؟، فالإجابة هنا لن تقدمها عبوات الماء ولا أجهزة الراديو بل ستكشفها الطريقة التي تتطور بها سياسات الجاهزية ومدى اتساعها، والتهديدات التي ستختار الحكومات الاستعداد لها في المرحلة المقبلة .

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock