منوعات
قبعة الجنرال العالية: الجاسوس الذي منع الحرب الباردة من أن تشتعل

بقلم: محمد ناصر
في عام 1984، كان محللو وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) يتصفحون الصحافة السوفيتية كعادتهم، حين لفت انتباههم شيء بدا عاديًا إلى حدّ الملل: وصفة لطبخ طائر مائي صغير يُعرف بالغُرير في مجلة روسية. لكنّ الوصفة لم تكن عن الطعام. فقد كان بين الوكالة وأثمن جواسيسها في موسكو اتفاق قديم: إذا أراد الاتصال بهم، فسيظهر في المجلة ذلك المنشور. ثم اختفى الرجل بعد ذلك تمامًا.
كان هذا الرجل اللواء ديمتري بولياكوف (Dmitri Polyakov)، ضابط الاستخبارات العسكرية السوفيتية (GRU) الذي وصفه مدير الوكالة الأسبق جيمس وولسي بأنه “الجوهرة في التاج”، وقال عنه إن ما قدّمه للغرب لم يساعده على كسب الحرب الباردة فحسب، بل منعها من أن تتحول إلى حرب ساخنة.
من ابن محاسب إلى ضابط مدفعية
وُلد ديمتري فيودوروفيتش بولياكوف في 6 يوليو 1921 في أوكرانيا السوفيتية، لأب يعمل محاسبًا. تخرّج في مدرسة سومي للمدفعية في يونيو 1941، أي قبل أسابيع من الغزو الألماني، وخدم ضابط مدفعية في الجيش الأحمر طوال الحرب العالمية الثانية، ونال أوسمة للشجاعة. بعد الحرب أنهى دراسته في أكاديمية فرونزه العسكرية ودورات الـ GRU، ثم التحق بمديرية الاستخبارات الرئيسية السوفيتية عام 1951.
كانت مهمته الأولى في الخارج مع الوفد السوفيتي إلى لجنة الأركان العسكرية التابعة للأمم المتحدة في نيويورك بين 1951 و1956، حيث أدار شبكة من الجواسيس السوفيت. وعاد إلى نيويورك في فترة ثانية (1959–1961)، ثم عمل لاحقًا ملحقًا عسكريًا سوفيتيًا في رانغون ببورما (1965–1969) وفي نيودلهي بالهند (1973–1976، ثم 1979–1980).
لماذا قرّر أن يخون؟
في نهاية 1961 وهو في نيويورك، تقدّم بولياكوف من تلقاء نفسه إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) وعرض خدماته. لم يكن المال دافعه. كان يقول عن نفسه إنه وطني روسي، لكنه كان يشمئزّ مما رآه من فساد النخبة الشيوعية، ويقارن بين الدم الذي سُفك في الحرب والرياء الذي يراه في موسكو. وهناك رواية أخرى ينقلها الضابط السوفيتي السابق في الـ KGB فيكتور تشيركاشين، مفادها أن القيادة رفضت السماح له بنقل ابنه الأكبر، المصاب بشلل الأطفال، إلى مستشفى في نيويورك لتلقي علاج مناسب، فمات الابن، وبعد ذلك بوقت قصير اتصل بولياكوف بالأمريكيين. أما أحد ضباط الوكالة الذين أداروا ملفه نحو خمسة عشر عامًا فنقل عنه أنه كان يرى الأمريكيين ساذجين، وأنهم إن لم يُساعَدوا فسوف يخسرون الحرب الباردة.
الأسماء الحركية وحياة مزدوجة
أطلق الـ FBI على بولياكوف الاسم الحركي “توب هات” (Top Hat) أي القبعة العالية، بينما عُرف في الـ CIA بـ “بوربون” (Bourbon) و”روم” (Roam). وعلى مدى نحو ربع قرن عاش حياتين: ضابط مخلص في ظاهره يرتقي في السلّم العسكري حتى رتبة لواء، وعميل يسلّم أسرار بلاده سرًّا. كان يتلقى التعليمات ويُسلّم المواد عبر طرق ابتكرها بنفسه: صنّارة صيد بها حجرة سرية لإخفاء المعلومات، وأحجار مزيّفة تُخفى داخلها الرسائل، وإشارات لاسلكية خاطفة يبثّها أثناء تنقّله في موسكو.
ورفض الرجل أن يتحوّل إلى مرتزق. طلب 3,000 دولار فقط في السنة، ولم يتقاضاها نقدًا في معظم الأحيان، بل في صورة أدوات كهربائية من ماركة “بلاك آند ديكر” ومعدات صيد وبنادق صيد. كان من هواة الصيد والنجارة، ومحبًّا للحياة البسيطة، وبنادق الصيد خصوصًا كانت شغفه.
ما الذي قدّمه؟
يمكن تلخيص ما سلّمه بولياكوف للأمريكيين، الذي ملأ بحسب ما يُروى 25 دُرجًا من الملفات، في عدة محاور:
-
كشف الجواسيس: بعد عودته إلى موسكو في أوائل الستينيات استطاع الاطلاع على وثائق الـ GRU، فكشف فرانك بوسارد، الباحث في الصواريخ الموجّهة بوزارة الطيران البريطانية الذي كان يبيع أسرارًا للسوفيت، وكشف أيضًا الرقيب الأمريكي جاك دانلاب، الساعي في وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA).
-
الخلاف السوفيتي ـ الصيني: في أواخر الستينيات، وهو في رانغون، سلّم الـ CIA كل ما لدى الـ GRU عن الجيشين الفيتنامي والصيني، ومعه معلومات عن اتساع الشرخ بين موسكو وبكين، وهي معلومات يُعتقد أنها أفادت هنري كيسنجر وريتشارد نيكسون في الانفتاح على الصين الذي توّجته زيارة نيكسون إلى بكين عام 1972. (والعلاقات الدبلوماسية الكاملة لم تُقم إلا عام 1979.)
-
التكنولوجيا العسكرية: سلّم تفاصيل تقنية عن الصواريخ السوفيتية المضادة للدبابات وأنظمة التسلح الأخرى. وقد ثبتت قيمة هذه المعلومات بعد سنوات، حين استخدم العراق هذه الأسلحة في حرب الخليج، فكان الجيش الأمريكي يعرفها مسبقًا.
-
نوايا الكرملين: أطلع واشنطن على وثائق سياسية وعسكرية سوفيتية بيّنت، بحسب ما رآه محللو الوكالة، أن القيادة السوفيتية كانت تخشى الحرب مثل الغرب، وغير واثقة بقدرتها على هزيمة الولايات المتحدة، فخفّف ذلك الخوف من ضربة مفاجئة.


















