تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

منوعات

السفير أنطونيو العنداري لـ”بيروت تايمز”: لبنان أمام مفترق تاريخي والدبلوماسية تبقى خط الدفاع الأول عن الدولة

لبنان في زمن المتغيرات الكبرى... أنطونيو العنداري يكشف رؤيته لمستقبل الدولة والدبلوماسية

بيروت – بيروت تايمز – حوار خاص من اعداد منى ابراهيم

في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتتسارع التحولات الإقليمية والدولية، تبقى الدبلوماسية من أهم أدوات حماية الأوطان وصون مصالحها، في عالمٍ تحكمه التوازنات الدقيقة والمصالح المتشابكة. وبين تعقيدات المشهد اللبناني وما يواجهه من استحقاقات مصيرية، سياسياً واقتصادياً وسيادياً، تشتدّ الحاجة إلى الإصغاء إلى أصواتٍ تجمع الخبرة والرؤية، وتقرأ التحولات من منظورٍ وطني ودولي في آنٍ واحد.

من هذا المنطلق، تلتقي “بيروت تايمز” السفير اللبناني السابق أنطونيو العنداري، الذي واكب على مدى سنوات محطاتٍ مفصلية في مسيرة الدبلوماسية اللبنانية، وأسهم في مدّ جسور التواصل بين لبنان والعالم، حاملاً خبرةً سياسية ودبلوماسية غنية ورؤيةً عميقة للقضايا التي تشغل اللبنانيين في الداخل والانتشار.

في هذا الحوار الخاص، يتناول السفير العنداري واقع لبنان اليوم، والدور الذي يمكن أن تؤديه الدبلوماسية اللبنانية في ظل المتغيرات الدولية، ويسلّط الضوء على التحديات التي تواجه الدولة، ومستقبل العلاقات العربية والدولية، إضافةً إلى قراءته لموقع لبنان على خريطة التحولات الجيوسياسية الجارية في الشرق الأوسط.

حوارٌ صريح وشامل مع رجلٍ خبر العمل الدبلوماسي من موقع المسؤولية، ويستند في رؤيته إلى التجربة والمعرفة، في محاولةٍ لفهم ما ينتظر لبنان وسط عالمٍ تُعاد صياغة توازناته السياسية والاقتصادية والأمنية بوتيرةٍ غير مسبوقة.

 والى الحوار الشيق

(◆) معلومات شخصية عامة تود مشاركتها مع قرّاء بيروت تايمز؟ وكيف كانت طفولتك وشبابك؟ وأين تلقيت تعليمك؟ وما هو اختصاصك الأكاديمي؟

(🔶) أعتزّ بانتمائي إلى لبنان، وتحديداً إلى بلدة قنّيور في قضاء بشري، هذه الأرض الغنية بتاريخ لبنان وهويته وتراثه. وقد شكّلت جذوري اللبنانية مصدر فخر دائم بالنسبة إليّ، ورسّخت إيماني بأن خدمة الوطن مسؤولية تتجاوز المواقع والمناصب، وأن الانتماء الحقيقي يُترجم التزاماً وعطاءً.

وُلدتُ في الإكوادور لأب لبناني وأم كولومبية من أصول لبنانية. وفي عام 1959، عدنا إلى لبنان لأسباب عائلية، وكانت طرابلس محطّتنا الشتوية، حيث أمضيت طفولتي وشبابي. ومنذ ذلك الحين، بدأت تتكوّن علاقتي العميقة بلبنان، لا بوصفه وطن العائلة فحسب، بل باعتباره جزءاً أساسياً من هويتي وذاكرتي.

في مدبنة طرابلس، تلقيت تعليمي في مدرسة الآباء الكرمليين، حيث ترك الرهبان أثراً طيباً في نفسي، وأسهموا في بناء شخصيتي وترسيخ القيم الإنسانية والأخلاقية لديّ. كما أدّت الحياة الكشفية في المدرسة دوراً بارزاً في تعلّقي بلبنان وطبيعته، وفي تنمية روح الخدمة والتضامن ومساعدة الآخرين. وهكذا، تضافرت الجذور العائلية مع التجربة التربوية والكشفية لتشكّل الأساس الأول لنظرتي إلى المسؤولية والانتماء.

وتعني لي طرابلس الكثير؛ فهي ليست مجرّد مدينة عشت فيها سنوات الدراسة، بل مساحة راسخة في الذاكرة والوجدان، عُرفت بطيبة أهلها وقدرتها على احتضان التنوع والحوار والعيش الواحد. فيها أنهيت دراستي الثانوية ونلت شهادة البكالوريا القسم الثاني، قبل أن أغادر لبنان عام 1976 متوجّهاً إلى الولايات المتحدة الأميركية لمتابعة تحصيلي الأكاديمي.

في الولايات المتحدة، التحقت بجامعة تكساس وحصلت على إجازة في العلوم السياسية، ثم انتقلت إلى العاصمة واشنطن، حيث نلت شهادة الماجستير في العلاقات الدولية من الجامعة الأميركية. وقد أتاحت لي هذه المرحلة تعميق معرفتي بالشؤون السياسية والدولية وفهم طبيعة العلاقات بين الدول، وهي معارف شكّلت لاحقاً قاعدة أساسية لمسيرتي المهنية والدبلوماسية.

وانطلاقاً من هذا التكوين العلمي والإنساني، بدأت مسيرتي الدبلوماسية، التي حظيت خلالها بشرف تمثيل لبنان في الخارج. ومن أبرز محطاتها عملي لدى الكرسي الرسولي في الفاتيكان، حيث أسهمت في تعزيز العلاقات اللبنانية ـ الفاتيكانية، وأتيحت لي فرصة التواصل مع قداسة البابا فرنسيس. وقد جمعني به أيضاً الحوار باللغة الإسبانية، التي أتقنها منذ نشأتي، ما أتاح مساحة إضافية للتواصل الإنساني والثقافي، وعمّق أهمية هذه التجربة بالنسبة إليّ.

ثم تولّيت مهمة سفير لبنان في الأرجنتين، حيث منحتني الجامعة الكاثوليكية في السلفادور في بوينس آيرس دكتوراه فخرية. وكان قد ترأّس هذه الجامعة قداسة البابا فرنسيس قبل انتخابه حبراً أعظم. وأعتزّ بهذه المحطة الأكاديمية والإنسانية لما تحمله من دلالات على أهمية الثقافة والتعليم والحوار في بناء الجسور بين الشعوب، وهي مبادئ أراها جزءاً لا يتجزأ من العمل الدبلوماسي.

وقد عزّزت هذه التجربة إيماني بأن الدبلوماسية ليست مجرّد علاقات رسمية أو ممارسة للبروتوكول، بل هي، في جوهرها، رسالة لخدمة الإنسان والوطن، ودفاع عن سيادة لبنان واستقلاله وعن رسالته القائمة على الحرية والتعددية والعيش الواحد. كما أرى أن الحفاظ على الحضور المسيحي في لبنان والشرق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحماية كرامة الإنسان وحريته، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات التي تضمن المساواة والعدالة لجميع أبنائها.

أما اليوم، فأعتبر أن المسؤولية الوطنية لا تنتهي بانتهاء المهمات الرسمية أو مغادرة المواقع الدبلوماسية. فخدمة لبنان التزام مستمر، تتغيّر وسائله ولا يتغيّر جوهره. وما زلت مؤمناً بقدرة وطننا على النهوض واستعادة دوره، شرط التمسّك بسيادته، وتعزيز مؤسساته، وصون وحدته الوطنية.

ومن هذا المنطلق، أؤمن بأن من واجب كل من خدم الدولة أن يواصل الإسهام في الحوار الوطني، وأن ينقل خبرته إلى الأجيال الجديدة في لبنان والاغتراب، بما يعزّز ارتباطها بوطنها ويحفظ هويتها اللبنانية. فلبنان الذي نريده وطن حرّ، سيّد، تعدّدي، يؤمن أبناؤه برسالته، ويتمسّكون بالأمل والسلام، ويعملون معاً من أجل مستقبل يليق بتضحيات أجياله وتطلّعات أبنائه.

(◆) سعادة السفير، بعد مسيرتكم الدبلوماسية وخبرتكم في العلاقات الدولية، كيف تقيّمون أداء الدبلوماسية اللبنانية اليوم؟ وهل لا يزال لبنان يمتلك هامشًا فعليًا لاتخاذ قرارات خارجية مستقلة؟

(🔶) أعتقد أن تقييم الدبلوماسية اللبنانية اليوم لا يمكن فصله عن واقع الدولة اللبنانية وقدرتها على امتلاك قرارها السيادي.

من خلال تجربتي الدبلوماسية، أرى أن لبنان لا يفتقر إلى الكفاءات والخبرات الدبلوماسية، ولا إلى شبكة العلاقات الدولية التي راكمها عبر عقود، بل إن التحدي الأساسي يكمن في قدرة الدولة على توظيف هذه الطاقات ضمن سياسة خارجية واضحة، موحّدة، ومستندة إلى المصلحة الوطنية اللبنانية أولاً.

الدبلوماسية ليست مجرد علاقات جيدة مع الدول، أو حضور في المؤتمرات الدولية، أو إصدار بيانات ومواقف. الدبلوماسية الفاعلة هي القدرة على تحويل العلاقات إلى مكاسب سياسية، وحماية المصالح الوطنية، واستقطاب الدعم الدولي، والدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله ووحدة أراضيه.

أما بالنسبة إلى هامش اتخاذ قرارات خارجية مستقلة، فأعتقد أنه لا يزال موجوداً، لكنه محدود بفعل عوامل داخلية وخارجية متشابكة. فعلى المستوى الداخلي، لا يمكن للدبلوماسية أن تكون قوية عندما لا يكون هناك توافق وطني على الثوابت الأساسية للسياسة الخارجية، وعندما تتباين مراكز القرار في القضايا المصيرية، ولا سيما الحرب والسلم والعلاقات مع دول المنطقة.

وعلى المستوى الخارجي، لا يمكن تجاهل حجم الصراعات الإقليمية والدولية، ولا تأثير القوى التي تسعى إلى استخدام الساحة اللبنانية ضمن حساباتها الاستراتيجية. وقد أظهرت التطورات الأخيرة مدى ارتباط استقرار لبنان بقدرته على تحييد نفسه عن صراعات الآخرين، ومنع تحويله إلى ورقة تفاوض في ملفات لا يملك قرارها.

المطلوب اليوم هو الانتقال من دبلوماسية ردّ الفعل إلى دبلوماسية المبادرة. وهذا يقتضي توحيد القرار الخارجي تحت سلطة الدولة، وتعزيز دور وزارة الخارجية، والاستفادة من صداقات لبنان العربية والدولية، والتمسك بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، مع بناء علاقات متوازنة مع الدول على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

وأشدد هنا على أن الاستقلال في القرار لا يعني الانعزال عن العالم، بل القدرة على إقامة أفضل العلاقات مع الجميع، من دون أن يتحول لبنان إلى تابع لأي محور أو ساحة لتصفية الحسابات.

في النهاية، لا تُقاس قوة الدبلوماسية بعدد السفارات أو التصريحات، بل بقدرتها على حماية البلاد، واستعادة حقوقها، وتأمين الدعم لشعبها، وإقناع المجتمع الدولي بأن لبنان دولة ذات سيادة، وأن قرار الحرب والسلم والسياسة الخارجية يجب أن يكون في يد مؤسساتها الدستورية وحدها.

لبنان لا يحتاج فقط إلى دبلوماسية محترفة، بل إلى دولة موحّدة القرار، لأن الدبلوماسية لا تستطيع أن تعوّض عن غياب السيادة، لكنها تستطيع أن تكون إحدى أهم أدوات استعادتها…

لبنان بين الدولة والأزمات: ما الذي يمنع قيام دولة قوية تفرض القانون وتحمي جميع مواطنيها بعيدًا عن التدخلات الخارجية؟

(🔶) أعتقد أن المشكلة الأساسية في لبنان ليست غياب مؤسسات الدولة، بل عدم تمكّن هذه المؤسسات من ممارسة كامل صلاحياتها بصورة متساوية على جميع الأراضي اللبنانية، وعلى جميع المواطنين والقوى السياسية، من دون استثناء.

(◆) هناك مجموعة من العوامل التي تعيق قيام دولة قوية. أولها، ازدواجية القرار السيادي، ولا سيما في قضيتي الحرب والسلم واحتكار الدولة للسلاح. فلا يمكن لأي دولة أن تكون مكتملة السيادة إذا لم يكن قرارها الأمني والعسكري خاضعاً حصراً لمؤسساتها الشرعية.

ثانياً، النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية، الذي حوّل التوافق في كثير من الأحيان من وسيلة لحماية الشراكة الوطنية إلى أداة لتعطيل المؤسسات وتغليب مصالح القوى السياسية على المصلحة العامة. فالتعددية اللبنانية غنى وطني، لكنها لا تستطيع أن تكون مبرراً لانتقاص سلطة الدولة أو تعطيل القانون.

ثالثاً، التدخلات الخارجية التي تجد في الانقسامات الداخلية مدخلاً للتأثير في القرار اللبناني. لكن من الإنصاف القول إن مسؤولية هذه التدخلات لا تقع على الخارج وحده؛ إذ إن الانقسامات اللبنانية واستقواء بعض الأطراف بالخارج يهيئان الظروف لاستمرارها.

ويضاف إلى ذلك ضعف المحاسبة، والتدخل في عمل القضاء، والفساد، وتراجع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالدولة القوية لا تقوم بالقوة الأمنية وحدها، بل بقضاء مستقل، وإدارة كفوءة، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وقانون يطبّق على الجميع من دون تمييز.

(◆) كيف يمكن الخروج من هذه الحلقة؟

(🔶) المطلوب أولاً استعادة الدولة لقرارها السيادي، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، ضمن مسار دستوري ووطني واضح يحمي الاستقرار ويمنع الانزلاق إلى صدام داخلي. والمطلوب ثانياً إصلاح القضاء والإدارة، ومكافحة الفساد، وإنهاء منطق الإفلات من العقاب، وتعزيز قدرة الجيش والقوى الأمنية على حماية الحدود والمواطنين.

كذلك، يحتاج لبنان إلى سياسة خارجية متوازنة، تقوم على احترام سيادته، وبناء علاقات ندّية مع الدول العربية والمجتمع الدولي، والاستفادة من الدعم الخارجي من دون الارتهان لأي دولة أو محور.

ومن موقعي كسفير سابق، أؤكد أن المجتمع الدولي يستطيع مساعدة لبنان، لكنه لا يستطيع أن يبني الدولة نيابة عن اللبنانيين. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، من قرار سياسي واضح يعيد الاعتبار للمؤسسات الدستورية ويضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية.

إن قيام دولة قوية في لبنان لا يعني قيام دولة ضد طائفة أو فريق، بل دولة تحمي الجميع بالتساوي. فالضمانة الحقيقية للمسيحي والمسلم، وللفرد والجماعة، ليست قوة أي حزب أو حماية أي محور خارجي، بل قوة الدولة وعدالة القانون.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: من يتدخل في لبنان؟ بل أيضاً: لماذا يجد التدخل الخارجي أبواباً مفتوحة في حياتنا السياسية؟

عندما يمتلك لبنان قراره، ويحترم دستوره، ويطبّق القانون على الجميع، يصبح قادراً على حماية استقلاله وشراكته الوطنية، واستعادة دوره دولةً فاعلة لا ساحةً لصراعات الآخرين.

(◆) في ظلّ الأزمات المالية والمؤسساتية، ما أبرز العوائق أمام قيام دولة قوية تفرض القانون وتحمي مواطنيها؟ وهل لا تزال هناك فرصة حقيقية لاستعادة الثقة بمؤسسات الدولة؟

(🔶) إن استعادة الثقة بمؤسسات الدولة تتطلب إرادة سياسية جدية وإصلاحات ملموسة، تعيد الاعتبار للقانون والمحاسبة وتضمن المساواة بين المواطنين. ومن موقعي كسفير سابق، أرى أن لبنان لا يزال يمتلك مقومات النهوض، شرط أن تتقدّم المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية، وأن يُترجم الدعم الدولي إلى إصلاحات فعلية.

فالدولة القوية هي التي تحمي مواطنيها بالعدل، وتصون سيادتها، وتطبّق القانون على الجميع من دون استثناء. وهذه هي الخطوة الأساسية نحو استعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم.

     

(◆) تُعرفون بمواقفكم من حصرية السلاح بيد الدولة. كيف ترون مستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وما السبيل إلى ترسيخ سيادة الدولة وقرارها الأمني؟

(🔶) أعتقد أن مستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله يجب أن يُبنى على قاعدة أساسية لا تحتمل الالتباس، وهي أن الدولة وحدها يجب أن تحتكر قرار الحرب والسلم والسلاح، وأن تكون المرجعية الوحيدة في الشؤون الأمنية والعسكرية، أسوةً بالدول ذات السيادة.

إن حصرية السلاح بيد الدولة ليست موقفاً موجّهاً ضد طائفة أو مكوّن لبناني، بل هي شرط لقيام دولة قادرة على حماية جميع مواطنيها من دون تمييز. فالسلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية، مهما كانت المبررات التي تُطرح للاحتفاظ به، يُبقي القرار السيادي عرضة للازدواجية، ويعرّض لبنان لمخاطر الدخول في صراعات لا يملك وحده قرارها أو تقدير كلفتها.

لكن معالجة هذه المسألة لا تكون بتجاهل الهواجس الأمنية والوطنية، بل من خلال مسار واضح تتولّى فيه الدولة مسؤولية حماية الحدود والمواطنين، ويُعزَّز فيه دور الجيش اللبناني بالقدرات والإمكانات اللازمة، بالتوازي مع حوار وطني جدي يضع المصلحة اللبنانية فوق أي اعتبار آخر.

أما مستقبل العلاقة بين الدولة وحزب الله، فيجب أن ينتقل من منطق ازدواجية السلطة والقرار والسلاح والارتهان إلى الخارج، إلى منطق الشراكة السياسية تحت سقف الدستور والقانون. فمن حق الحزب، كأي مكوّن لبناني، أن يمارس دوره السياسي ضمن المؤسسات، لكن لا يمكن أن يكون لأي حزب قرار أمني أو عسكري مستقل عن الدولة.

ومن الضروري أيضاً أن تضطلع الدبلوماسية اللبنانية بدور فاعل في تحييد البلاد عن الصراعات الإقليمية، وتثبيت حق لبنان في سيادته وحياده وسلامة أراضيه، والاستفادة من الدعم العربي والدولي لتعزيز الجيش ومؤسسات الدولة، مع العمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وفق القانون الدولي والقرارات الدولية ذات الصلة.

إن ترسيخ السيادة يتحقق بفرض سلطة الدولة، وبناء دولة يطمئن إليها الجميع، وتكون وحدها المرجعية في حماية الوطن واتخاذ القرارات المصيرية. عندها، ينتفي المبرر لوجود أي قوة عسكرية خارج مؤسساتها الشرعية، ويصبح الانتماء إلى الدولة الضمانة المشتركة لكل اللبنانيين.

سفير لبنان في الأرجنتين مكرّماً في بيروت: نعمل للحفاظ على الوطن الرسالة || Jabalna Magazine

(◆) كيف تقيّمون واقع القضاء اللبناني اليوم؟ وما الخطوات الضرورية لضمان استقلاليته عن التدخلات السياسية ومحاسبة المسؤولين عن الفساد؟

(🔶) أعتقد أن القضاء اللبناني يواجه اليوم أزمة ثقة عميقة، لا بسبب غياب الكفاءات القضائية، بل نتيجة تراكم التدخلات السياسية، والضغوط التي يتعرض لها القضاة، والتعقيدات المؤسساتية والمالية التي تعيق قيامهم بواجباتهم باستقلالية وفاعلية.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة هو شعور المواطن بأن القانون لا يُطبَّق على الجميع بالمعيار نفسه، وأن المحاسبة قد تتوقف عندما تصل إلى أصحاب النفوذ السياسي أو المالي. فعندما تتعثر الملفات الكبرى، وتتأخر المحاكمات، وتبقى قضايا الفساد من دون نتائج حاسمة، تتراجع الثقة بالقضاء وبالدولة معاً.

أما الخطوة الأولى للإصلاح، فهي ضمان استقلال السلطة القضائية فعلياً، لا الاكتفاء بالنص عليه قانونياً. وهذا يقتضي إبعاد التعيينات والتشكيلات القضائية عن المحاصصة والتجاذبات السياسية، وتأمين الضمانات المهنية والمادية للقضاة، وحمايتهم من الضغوط والتهديدات، وتوفير الموارد اللازمة للمحاكم، مع احترام حق الدفاع وأصول المحاكمة العادلة.

كذلك، لا بد من تعزيز استقلالية النيابة العامة وأجهزة الرقابة، وتفعيل قوانين مكافحة الفساد والإثراء غير المشروع واسترداد الأموال المنهوبة، وتسريع البت في الملفات العالقة، ولا سيما القضايا التي تمسّ المال العام، من دون انتقائية أو استهداف سياسي. فالمحاسبة يجب أن تستند إلى الأدلة والقانون، لا إلى موازين القوى أو الانتماءات.

ومن موقعي كسفير سابق، أرى أن إصلاح القضاء ليس مطلباً داخلياً فحسب، بل هو أيضاً شرط لاستعادة ثقة المجتمع الدولي بلبنان، وجذب الاستثمارات، وإعادة بناء علاقات الدولة مع المؤسسات المالية والدول الصديقة على أسس من الشفافية والمصداقية.

في النهاية، لا يمكن بناء دولة قوية من دون قضاء مستقل، ولا يمكن مكافحة الفساد إذا بقي القانون خاضعاً لنفوذ السياسة. المطلوب قضاء يحمي المواطن من تعسّف السلطة، ويحمي الدولة من الفساد، ويحاسب كل من يثبت ارتكابه مخالفة، أياً كان موقعه أو انتماؤه. عندها فقط يصبح القانون المرجعية الفعلية للجميع، وتبدأ استعادة الثقة بمؤسسات الدولة.

(◆) كيف تنظرون إلى أداء القوى السيادية اللبنانية؟ وهل تستطيع تجاوز الانقسامات وتقديم مشروع وطني مشترك للإصلاح واستعادة مؤسسات الدولة؟

(🔶) إن أداء القوى السيادية يبقى مرتبطاً بقدرتها على الانتقال من التنسيق السياسي المحدود أو النكايات الحزبية الضيقة إلى مشروع وطني واضح، عنوانه استعادة قرار الدولة وسيادتها، وحصرية السلاح بيد الجيش، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد.

وتجاوز الانقسامات ليس خياراً، بل ضرورة، شرط أن يقوم على الثوابت الوطنية، لا على التسويات التي تفرّغها من مضمونها. والمطلوب اليوم برنامج مشترك يعيد بناء المؤسسات، وينهض بالاقتصاد، ويحمي الحريات، ويضمن الشراكة المتوازنة بين اللبنانيين. فالسيادة لا تكتمل إلا بدولة قوية وعادلة، يشعر جميع مواطنيها بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن القانون يحميهم جميعاً من دون تمييز.

(◆) في ظلّ التطورات الأمنية في الجنوب والتوترات الإقليمية، كيف يمكن للبنان حماية سيادته واستقراره؟ وما الدور الذي يمكن أن تؤديه الولايات المتحدة وفرنسا والدول العربية في دعم هذا المسار؟

(🔶) إن حماية سيادة لبنان واستقراره تبدأ باستعادة الدولة قرار الحرب والسلم، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، وضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، بما يتيح تثبيت الاستقرار وعودة الأهالي إلى قراهم.

ويمكن للولايات المتحدة وفرنسا أن تؤدّيا دوراً أساسياً في الضغط لضمان احترام السيادة اللبنانية، وتوفير الضمانات اللازمة لوقف الاعتداءات، ودعم الجيش وقدراته على بسط سلطة الدولة.

أما الدول العربية، فدورها محوري في احتضان لبنان سياسياً، ومساندته اقتصادياً، والمساهمة في إعادة الإعمار.

المطلوب مظلة دولية وعربية تحمي لبنان، لا أن تجعله ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وتساعده على استعادة قراره الوطني وبناء دولة قادرة على حماية جميع أبنائها.

(◆) هل ما زال المسيحيون قادرين على الدفاع عن دورهم في لبنان والشرق وسط التحولات السياسية والديموغرافية؟

نعم، المسيحيون أبناء الرجاء، وما زالوا قادرين على حماية دورهم في لبنان والشرق، شرط الانتقال من القلق على الوجود إلى العمل من أجل استمراره.

وهذا يتطلب وحدة الموقف المسيحي حول الثوابت الوطنية، ودوراً فاعلاً للكنيسة في جمع القوى السياسية حول برنامج مشترك يؤمّن مقومات البقاء، من التعليم والاستشفاء والسكن إلى فرص العمل. كما أن مسؤولية الدولة أساسية في ترسيخ المواطنة المتساوية وحماية الحريات.

فالمسيحيون لا يدافعون عن وجودهم بالانكفاء أو المواجهة، بل بالتمسّك بأرضهم، وتعزيز حضورهم، والانفتاح على شركائهم في الوطن. لبنان لا يقوم إلا بشراكة حقيقية، والمسيحيون ليسوا مجرد مكوّن ديموغرافي فيه، بل شركاء في تأسيس رسالته وصياغة مستقبله. وخلاصنا دائماً كان في الاتكال على الله، وفي مسبحتنا الوردية، وجبالنا، وأمهاتنا، وشهدائنا.

(◆) هل ما زلتم تؤمنون بإمكانية إنقاذ لبنان واستعادة دوره؟ وما الرسالة التي تودّون توجيهها إلى المسؤولين والقيادات الروحية والسياسية والشباب اللبناني، في الوطن والاغتراب؟

(🔶) ما زلت أؤمن بقدرة لبنان على النهوض واستعادة دوره، لأن لبنان أكبر من أزماته، ولأن شعبه يمتلك من الكفاءات والطاقات، في الوطن والاغتراب، ما يؤهّله لبناء مستقبل أفضل. لكن الإيمان وحده لا يكفي؛ المطلوب إرادة سياسية صادقة، ودولة سيدة تحكمها المؤسسات والقانون، وقضاء مستقل، ومحاسبة فعلية، وقرار وطني حر.

رسالتي إلى المسؤولين والقيادات الروحية والسياسية أن يرتقوا إلى مستوى المسؤولية التاريخية، وأن يضعوا مصلحة لبنان فوق المصالح الشخصية والحزبية والطائفية، وأن يعملوا معاً لاستعادة ثقة اللبنانيين بوطنهم.

أما إلى الشباب اللبناني، في الوطن والاغتراب، فأقول: لا تتخلّوا عن لبنان، ولا تسمحوا لليأس بأن ينتصر. أنتم لستم مجرد مستقبل هذا الوطن، بل أنتم قوته الحاضرة وأمله المتجدّد. حافظوا على ارتباطكم بأرضكم وهويتكم، وساهموا بعلمكم وخبرتكم وطاقاتكم في نهضته.

لبنان لا يحتاج إلى معجزة بقدر ما يحتاج إلى رجال دولة يؤمنون به، وشعب لا يستسلم، وشباب يرفض أن يكون مستقبل وطنه رهينةً لماضيه. وأنا، رغم كل شيء، ما زلت أؤمن بأن لبنان يستحق فرصة جديدة، وأن استعادة دوره تبدأ باستعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم وبأنفسهم.

image

(◆) أخيرًا: هل ترون ضرورة لإشراك المغتربين بصورة أكبر في الحياة السياسية وصناعة القرار الوطني، بما يحافظ على ارتباطهم بوطنهم ويشجّع الأجيال الجديدة على التمسّك بهويتهم اللبنانية؟

(🔶) بالتأكيد، فالمغتربون ليسوا مجرد رافعة اقتصادية للبنان، بل هم ثروة وطنية ودبلوماسية وثقافية، وشركاء أساسيون في صناعة مستقبله. المطلوب إشراكهم فعلياً في الحياة السياسية وصناعة القرار، وضمان حقهم في التمثيل والمشاركة الانتخابية، والاستفادة من خبراتهم وكفاءاتهم وشبكات علاقاتهم الدولية.

كما ينبغي الاستثمار في الأجيال الجديدة عبر تعزيز تعليم اللغة العربية، والتعريف بتاريخ لبنان وهويته، وتطوير برامج تربط الشباب بجذورهم ووطنهم الأم.

لقد آن الأوان للانتقال من النظر إلى الاغتراب بوصفه مصدراً للتحويلات المالية، إلى اعتباره شريكاً في بناء الدولة واستعادة سيادتها. فلبنان لا ينتهي عند حدوده الجغرافية، بل يمتد حيثما وُجد لبناني يؤمن به ويحمل هويته.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock