تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

حين تعجز الدولة عن فرض سيادتها: تحذير سامي الجميّل من تفكّك لبنان لم يعد مجرّد إنذار سياسي

من ازدواجية السلاح إلى ازدواجية القرار: من يحكم لبنان فعلياً؟

بقلم: فرانسوا الجردي

لم يكن تحذير رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل من خطر تفكّك الدولة مجرّد موقف سياسي معارض، بل إنذاراً يمسّ جوهر الكيان اللبناني وسيادته. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زالت الدولة اللبنانية صاحبة القرار الأمني والسيادي، أم أنّها باتت عاجزة عن فرض سلطتها في ظل وجود قوة مسلّحة خارج مؤسساتها الشرعية؟

إنّ التطورات المرتبطة بملف المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر، والنفق المكتشف في المتن، إلى جانب التعثّر في تنفيذ التعهدات المتعلقة بحصرية السلاح، تعيد طرح هذه المعضلة الخطيرة. فالمشكلة لم تعد محصورة بوجود السلاح خارج الشرعية، بل باتت تشمل قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها ومحاسبة المسؤولين، بعيداً عن الضغوط السياسية وموازين القوى.

إنّ الدولة التي تعجز عن تنفيذ قراراتها السيادية تخاطر بأن تتحوّل مؤسساتها إلى هياكل رسمية، فيما يبقى القرار الفعلي خاضعاً لقوة موازية.

أولاً: حصرية السلاح شرط لقيام الدولة

لا يمكن بناء دولة فعلية فيما تحتفظ جهة حزبية بتنظيم عسكري وأمني مستقل عن المؤسسات الشرعية، وتبقى لها القدرة على التأثير في قرار الحرب والسلم.

فحصرية السلاح ليست مطلباً حزبياً ولا استهدافاً لطائفة، بل قاعدة دستورية وسيادية تضمن المساواة بين المواطنين وتحمي لبنان من قرارات عسكرية لا تخضع لسلطته الشرعية.

إنّ المشكلة ليست مع أبناء الطائفة الشيعية، الذين هم شركاء كاملون في الوطن، بل مع استمرار ازدواجية السلطة الأمنية والعسكرية، وما تفرضه من مخاطر على جميع اللبنانيين.

ولا يمكن للدولة أن تدّعي سيادتها الكاملة إذا كانت قدرتها على تنفيذ قراراتها تتوقف عند حدود نفوذ أي حزب أو تنظيم. فإمّا أن تكون المؤسسات الشرعية المرجع النهائي، وإمّا أن تبقى السيادة منقوصة ومعرّضة للاهتزاز.

ثانياً: متفجرات ضهر البيدر… امتحان هيبة الدولة والقضاء

تشكّل قضية المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر اختباراً جدياً لقدرة الدولة على فرض القانون. فالمسألة لا تتعلق فقط بظروف ضبط الشحنة أو الجهة التي تُنسب إليها، بل بقدرة التحقيق على كشف مصدرها ووجهتها والمسؤوليات المرتبطة بها، وضمان وصول الملف إلى المرجع القضائي المختص وفق الأصول.

وقد أثارت التقارير المتداولة بشأن القضية تساؤلات حول ارتباط الشحنة بحزب الله ومسار الملاحقات القضائية. غير أنّ من الضروري التمييز بين المعلومات والإفادات الواردة في التحقيقات وبين المسؤوليات التي يثبتها القضاء نهائياً.

أما إذا تعذّرت إحالة القضية إلى المجلس العدلي، رغم توافر الشروط القانونية اللازمة، بسبب اعتبارات سياسية، فسيكون ذلك مؤشراً بالغ الخطورة على استقلال القرار القضائي. فالإحالة ليست إدانة مسبقة، بل إجراء قانوني يُتخذ وفق الأصول، فيما تبقى المحاسبة من اختصاص القضاء.

الخطر الحقيقي ليس في ضبط المتفجرات فحسب، بل في أن يشعر اللبنانيون بأنّ القانون قد يعجز عن الوصول إلى المسؤولين عندما تتداخل القضية مع نفوذ سياسي أو أمني.

ومن هنا، فإنّ صوابية تحذير الجميّل تتصل بضرورة إثبات قدرة الدولة على تطبيق القانون على الجميع، من دون استثناء أو مساومة.

ثالثاً: من التعهّدات إلى التنفيذ… هنا يبدأ تفكّك الدولة

لا تنهار الدول بالضرورة دفعة واحدة؛ فقد يبدأ تفكّكها تدريجياً عندما تتسع الهوّة بين قراراتها وقدرتها على تنفيذها، وتصبح السيادة رهينة التوافقات السياسية بدلاً من أن تكون مسؤولية مؤسساتها الدستورية.

فإذا تعهّدت الحكومة بحصر السلاح، ثم تعثّر التنفيذ، وإذا أعلنت رفضها لازدواجية السلطة الأمنية، ثم بقيت هذه الازدواجية قائمة، فإنّ الثقة بالدولة تتآكل، ويترسّخ الاعتقاد بأنّ نفوذ الأحزاب قد يتقدّم على القانون.

وهنا تبرز خطورة التحذير الذي أطلقه سامي الجميّل. فالتفكّك لا يعني بالضرورة التقسيم الجغرافي، بل قد يبدأ بتفكّك القرار الوطني، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع الفجوة بين الدولة ومواطنيها.

وتزداد المخاطر عندما يرتبط قرار الحرب والسلم بحسابات إقليمية لا يملك اللبنانيون التحكم بها، فيما يتحمّلون هم نتائج المواجهات من دمار ونزوح وخسائر اقتصادية وبشرية.

لقد دفع لبنان أثماناً باهظة نتيجة الحروب والأزمات المتلاحقة، ولا يجوز أن يبقى مستقبل شعبه رهينة قرارات لا تصدر عن مؤسساته الشرعية. فحصرية السلاح ليست مسألة أمنية فحسب، بل شرط لاستعادة الدولة قرارها الوطني وحماية البلاد من الانجرار إلى صراعات لا تحتملها.

رابعاً: بيروت تحت سلطة الدولة وحدها

إنّ جعل بيروت خالية من السلاح غير الشرعي ليس تفصيلاً أمنياً، بل اختبار لقدرة الدولة على بسط سلطتها على عاصمتها، حيث المؤسسات الدستورية والإدارية والاقتصادية، وحيث يجب أن يشعر جميع المواطنين بأنّ أمنهم محمي بالقانون. ولا يجوز أن تتحوّل أي منطقة لبنانية إلى مساحة تتعايش فيها سلطة الدولة مع سلطة أمنية موازية. كما لا يمكن تحقيق الاستقرار من خلال استعراض القوة أو المواجهة الداخلية، بل عبر خطة واضحة ومتدرجة لحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، تُنفّذ على كامل الأراضي اللبنانية من دون انتقائية.

إنّ المطلوب ليس استهداف بيئة اجتماعية أو طائفة بعينها، بل ضمان أمن اللبنانيين جميعاً، وإنهاء أي ازدواجية في المرجعية الأمنية، بما يحفظ الاستقرار والسلم الأهلي.

خامساً: مسؤولية الدولة قبل فوات الأوان

تقع المسؤولية اليوم على عاتق رئيس الجمهورية والحكومة ومجلس النواب والجيش والقضاء، كلّ ضمن صلاحياته الدستورية والقانونية. فالتصريحات والبيانات لا تكفي ما لم تتحوّل إلى خطوات ملموسة وجدول تنفيذي واضح وآليات للمحاسبة.

وفي ملف ضهر البيدر، المطلوب تحقيق مستقل يكشف الحقائق ويحدّد المسؤوليات، مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع. وفي ملف السلاح، المطلوب تنفيذ القرارات السيادية وفق خطة عملية تضمن حصرية القوة المسلحة بيد الدولة، وتمنع تعطيلها بفعل الضغوط السياسية.

إنّ التردّد لا يلغي المشكلة، بل يفاقمها، فيما تؤدي المعالجة المتسرّعة أو الانتقائية إلى تعميق الانقسامات. لذلك، يحتاج لبنان إلى قرار سياسي حازم، مقرون بحكمة التنفيذ واحترام القانون، لا إلى مواجهة داخلية جديدة.

الخلاصة: إما دولة واحدة، وإما تفكّك يتقدّم بصمت

قد يختلف اللبنانيون مع سامي الجميّل في مواقفه السياسية، لكنّ التحذير من تراجع سلطة الدولة يستحق نقاشاً جدياً يتجاوز الحسابات الحزبية. فالقضية المطروحة ليست انتصار حزب على آخر، بل قدرة لبنان على البقاء دولة موحّدة، تمتلك قرارها وتحمي مواطنيها وتطبّق القانون على الجميع.

إنّ ملفات السلاح والمتفجرات والملاحقات القضائية ليست قضايا منفصلة؛ فهي تكشف جميعها مدى قدرة المؤسسات على ممارسة سلطتها من دون استثناء. وإذا بقيت القرارات السيادية معلّقة، وتحوّلت التعهّدات إلى وعود غير منفّذة، فإنّ الثقة بالدولة ستتراجع، وستزداد مخاطر تفكّكها السياسي والمؤسساتي.

إنّ تحذير سامي الجميّل ليس نبوءة حتمية بسقوط لبنان، بل إنذار بضرورة منع سقوطه. ولا يمكن مواجهة هذا الخطر بالشعارات، بل باستعادة الدولة سلطتها، وحصر السلاح بيدها، وصون استقلال القضاء، وضمان أن يكون قرار الحرب والسلم ملكاً للمؤسسات الشرعية وحدها.

فلبنان لا يحتاج إلى دولة تتعايش مع الدويلات، بل إلى دولة واحدة تحكم بالقانون، وتحمي جميع أبنائها، وتثبت أنّ السيادة مسؤولية تُمارَس، لا شعاراً يُرفَع.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock